آيــات حــب

أول مدونة رومانسية إسلامية – يحررها : م. محمد إلهامي

إياك أعني واسمعي يا وردة ” خطاب عاشق ” .

لم أكن أعلم ونحن في عصر المحمول والانترنت أن الوسائل القديمة مازالت تعيش .. وأن رسائل الحب والهوى مازال يتبادلها العاشقون .. وقد استغربت هذا ، وما هو بغريب .. فإني لا أدعي أني عالم بأحوال العاشقين شديدة الخصوصية .

فالعاشق في الحلال يرى أن خطاباته نوع من الأسرار المقدسة ، لا يجوز إطلاع أقرب الناس عليها .. والعاشق في الحرام لا أتخذه صاحبا ، وإن كان لي منهم أحد فهو يداري عني وسائله لما يعلم من مذهبي واتجاهي .

حتى كان عصر هذا اليوم ، وقع في يدي خطاب مرسل في طرف وردة من عاشق إلى محبوبته .. وقع في يدي بطريق شرعية – حتى لا يذهب الظن بك بعيدا – وقد سمح لي صاحبه بنشره ، أو سمحت لنفسي بالعرض الحصري لهذا الخطاب في ” آيات حب ” .

قال العاشق :

أيتها الوردة ..

اعلمي أني لم أرسلك إليها لأنك جميلة .. فستعلمين إذا وصلت أن الجمال منبعث منها ، وستعلمين خطأك إذ ظننتي أنك ستكونين جميلة بين يديها ، حين تمسك بك أصابعها ستعرفين أنك جميلة لأنك بين يديها .

أيتها الوردة ..

ولم أرسلك إليها لهذا العطر الفواح منك ، فأغلب الظن أن عطرك سيكون قد ذهب حين تصلين ( بين الحبيبين مسافة تقترب من ألف كيلو متر تقريبا .. إلهامي ) ، وحتى لو لم يكن قد ذهب ، فإنك ستعيشين عند من تفوح منها كل الحياة .

لم أرسلك إلا لأنها تحب الورد ، ولولا تلك السعادة التي ستبرق على وجهها البراق لما كنت أرسلتك ، ولا كنت عندي ذات شأن خاص .

أيتها الوردة .. إنك لست كأي وردة !

أنت تحملين سيل مشاعري القوي الدافق ، واللي الرقيق أيضا ، فترى هل تستطيعين حمل هذا السيل إلى مصبه المأمول ؟ لا .. لا أحسبك تفعلين ، فما في صدري لا يقوى على حمله إلا صدري .

لقد أرسلتك بعدما قبلت كل نسيج في أوراقك .. وما كنت أيتها الوردة أقبلك أنت ، بل كنت أرسل دفقاتي تلك على أوراقك ، فإذا وقعت أصابعها على طرف منك فأودعي الأمانة إلى أهلها ، واطبعي قبلاتي في أصابعها ، أدي الأمانة يا أيتها الوردة ولا تكوني بريد سوء تأخذينها لنفسك .

أخبريها يا أيتها الوردة .. قولي لها …..

وأخبريها ….. وأخبريها …. وأخبريها …..

أخبريها بكل همسة هامستك بها واستحييت أن أكتبها على الورق ، لقد استحييت أن يراها الورق ..

لا تكتمي عنها همسة ، ولا كلمة .. بل ولا نبضة .

أيتها الوردة … أنت في مهمة مقدسة ، فخذيها بقوة .. وأوصلي تلك الأمانة .

فإذا أديت الأمانة .. فقد انتهت المهمة ، وعدت عندي وردة .. كأي وردة ”

انتهى خطاب العاشق .

** شروط الاستخدام :

– أن تكون في حب حلال .

– يشترط الإشارة للمصدر ( مدونة آيات حب ) .

Advertisements

الحب قاتل الكرامة أو قتيلها !

بعض الناس أهانهم الحب ، حتى بلغت بهم الحال مبلغا غريبا ، لدرجة أن أحدهم – وهو الشاعر دعبل الخزاعي – افتخر بتلك الإهانة واعتبر أنه إذا كان قد هان عليها فلا يستحق أن يُكرم أبدا فقال :

أجد الملامة في هواك لذيذة  ***  حبا لذكرك فلْيلُمْني اللوَّم
وأهَنْتِني ، فأهَنْتُ نفسي صاغرا  ***  ما مَن يهون عليك ممن يُكْرَم

بينما نجد آخرين اصطدم الحب بكرامتهم فآثروا كرامتهم على الحب وقبضوا عليها كأنها الجمر وكأنهم القابضون على الجمر ، ونرى منهم – مثلا – الأديب بل ” إمام الأدب وحجة العرب ” ( وهذا وصف أمير البيان شكيب أرسلان له ) مصطفى صادق الرافعي صاحب وحي القلم وأوراق الورد ورسائل الأحزان وتحت راية القرآن وغيرها من المؤلفات الأدبية الباهرة .

وكان الرافعي يحب مي زيادة * وأحاطت بذلك الحب ظروف عجيبة فلقد أحبها وهو في الثالثة والأربعين من عمره ، وقد كانت هي مسيحية لبنانية الأصل متحررة على عكسه هو المتعمق المتشرب الروح الإسلامية .. وكان من أثر هذا الحب أدب كثير دافئ عنيف ، وهو حقا لون جديد من الأدب سواء في حال الهوى أو في حال الحزن وبعد انتهاء الحب .. وانتهت قصة الحب في لحظة كبرياء .. وإن كان قد سجل فيما بعد حزنا شديدا على ما فعل ، كما سجل أحيانا فخرا شديدا بكبريائه ولو كانت قتلت حبه الأقوى .

زارها مرة في صالونها الأدبي فوجدها تتحدث مع الشاعر إسماعيل صبري ، فما أطاق أن تولى اهتمامها أحدا غيره ، فانطلق نحو الباب منصرفا لينغلق الباب على قصة حب دمرتها الكبرياء .

—————————–

* هامش : وهذا ما يستنتج من المعلومات التي ذكرها محمد سعيد العريان في كتابه ” حياة الرافعي ” ص93 وما بعدها ، وإني أكاد أوقن بصحة استنتاجي هذا ولا أكاد أشك فيه لكن أمانة الكتابة تمنعني من الجزم بما توصلت إليه بالاستنتاج

الحب يجعل من الجُبن فضيلة !

ومن عجائب ما قرأت في الحب ما قاله عنترة الشاعر والفارس .

وكان عنترة بطلا مغوارا وفارسا لا يشق له غبار ، ولكنه لما أراد أن يصف منزلة “عبلة” في قلبه شبهها بتشبيه عجيب حقا ، حيث رفض أن يصفها بأنها روحه لأن تلك الروح معرضة للطعن والقتل ولأنه يجود بها في شجاعة ، فشبهها بأنه لديه كالروح عند الجبان .
قال عنترة :
أحبك يا ظلوم وأنت مني  ***  مكان الروح من جسد الجبان
ولو أني أقول : مكان روحي ***  لخفت عليك بادرة الطعان

رسالة محمول !

قال شاعر قديم لعله جميل بثينة لولم تخني الذاكرة :

وأحبها وتحبني *** ويحب ناقتها بعيرى .

لقد فاض التآلف بينهما حتى انتقل إلى النوق ، فأحب بعيره ناقتها أيضا .

وحيث أننا في عصر المحمول لا البعير ، وجدتني أفكر كيف لو حاول محب أن يقول بيتا مثل هذا في حبيبته .. أتخيل لو أنه قال لها ” ويحب ناقتها بعيري ” لانتهى جو الحب مفسحا المكان لجو من الكوميديا ، وربما لجو من الاستغراب والاستهجان .. من يدري ؟ فالمحبون لا يتوقع لهم رد ، ولا يؤمن منهم غضب .

فتشت في ذهني حتى أخرجت بيتا يجوز لعصر المحمول فأنشدت قائلا :

وأحبها وتحبني *** ويحب عدتها جهازي .

ثم وجدت أن لفظ ” عدتها ” هذا قد لا يفهم على أنه الهاتف المحمول والتي نسميها في مصر ” عدة ، جهاز ، تليفون ” .. فاستبدلتها بكلمة ” رنتها ” .. والحقيقة أن اللفظ عربي فصيح وليس عاميا كما تخيل أحدهم لما سمع البيت ، لقد صار البيت هكذا .

وأحبها وتحبني *** ويحب رنتها جهازي .

ويمكن أن يكون كذلك : – لمن لم يملك الحب الحلال بعد –

وأحبه ويحبني *** ويحب رنته جهازي .

شروط الاستخدام :

* حقوق النسخ محفوظة ويشترط الإشارة للمصدر . ( مدونة آيات حب )

* لا يجوز استخدام هذه الرسالة إلا في الحب الحلال .

اللغز الشعري !

روى لي منذ قليل فقال :

طلبت من مخطوبتي شيئا فاعتذرت إلىّ بأنها لا تستطيع ، لم أتضايق والله ولم يكن في طلبي ما يشين فالحمد لله لقد اخترتها لدينها وأحسب أنها أيضا فعلت هذا لما اختارتني .

هي لا تحب الشعر ، فيما أعشقه أنا حتى الثمالة ، اكتشفت هذا حين فاض بي شوق ذات غروب فأرسلت لها على هاتفها هذين البيتين :

ومن عجب أني أحن إليهمو *** فأسأل عنهم من لقيت وهم معي

وتطلبهم عيني وهم في سوادها *** ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي

لم ترد ، وكانت تلك عادتها فهي شديدة الحياء ، لا أذكر أنها اتصلت بي مباشرة إلا لأمر طارئ ، فحسبت أنا أنه حياء ، في مكالمة مني بعدها بأيام اكتشفت أنها لم ترد لأنها لم تفهم البيتين إلا بعد تأمل .. أو ربما فهمته ولكنها تصنعت عدم الفهم لأنها لا تحب الشعر ، وقالت – في حياء – ما معناه : أن هذا النوع من الحب لا يصل إلى القلب إلا بعد أن يتعب العقل والذهن والجسد ، فيصل إلى القلب خاليا من معانيه الحية .

فلما كان هذا الصباح طاف بخاطري بيت من سحر لغة العرب للسهروردي الذي عُرف في تاريخنا بـ ” المقتول” ، وهو البيت الذي قاله لما دفع ثمن ترهاته من حياته .. قال :

أرى قدمي أراق دمي *** وهان دمي فها ندمي .

لم أقاوم روعة هذا الطيف ، وجال برأسي أن أرسل لها هذا البيت في رسالة ، فأحقق فوق تنفيس ما يحتبس لدي من سحر البيت أن استفزها وأداعبها في آن واحد .. فأرسلته لها صباح اليوم .

كعادتها – في الحياء – لم ترد ، لكنني فوجئت أثناء عملي فيما بعد الظهر أنها تتصل ، أدركت أنه لاشك أمر طارئ ، فأجبت متلهفا ، فإذا بها تسأل في جدية : ما معنى هذا الذي أرسلته لي ؟

قلت أنا ( محمد إلهامي ) : وروى لي صديقي تفاصيل المحادثة لكن لم يأذن لي بنشرها .. وخلاصة ما فيها كالآتي :

صديقي هذا لا يدري بالضبط ما حدث ، لقد كانت مخطوبته في محاضرة فجاءتها الرسالة فبقيت تفكر فيها باقي المحاضرة وما استطاعت إلا أن تفعل هذا ، وبمجرد أن انتهت محاضرتها اتصلت به .. هو لا يدري إن كانت لم تفهم البيت بالفعل فحسبتها معاتبة رقيقة على رفضها لما طلبه منها بالأمس ، فاتصلت لتعرف المعنى الموجود في بطن الشاعر !!

أو هي فهمت البيت ، ففهمت أنه لما رأى رفضها بالأمس يلوم نفسه الآن في حبها ، ويعني أنه لو لم يحب ما ذاق هوان الرفض ، ولولا أنها توقن بحبه لها لما رفضت ، فهو الآن يلوم نفسه على ما أوقعه به الحب فتمثل قول الذي مشت به قدمه إلى حتفه فقال :

أرى قدمي أراق دمي *** وهان دمي فها ندمي .

هو إلى الآن لا يدري أي هذين هو ما حدث .. لكن يؤرقه أنه آلمها وهو ما أراد إلا مداعبتها .

قلت أنا – محمد إلهامي – : ذاك طرف من حال أهل العشق ، حال الأمور عندهم غير حالها عند الناس ، والمعاني التي تقال ليلا ونهارا تتحول بينهم إلى كنايات ورموز واحتمالات وآلام .. لو كان أرسل البيت إلى صديق لما جاوز الأمر إلا أن يعتبر الصديق أنها مداعبة .. فاحذروا يامن لا تستيطعون الباءة أن تقعوا في بحر الحب هذا .

وهكذا يجب أن تحب !

زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لها في الحب قصة لا أدري لم لم تجد اهتماما كبيرا بين الدعاة والعلماء  .
كانت زينب هي البنت الكبرى للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وتزوجت من ابن خالتها أبو العاص بن الربيع ، وكان شديد الحب لها ، وكانت شديدة الحب له .
تبدأ المعاناة في قصة الحب تلك ، من اللحظة التي بُعث فيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، إذ كان أبو العاص بن الربيع في سفر خارج مكة .. ولم تكن زينب بالتي تشك للحظة في صدق وأمانة والدها الذي اشتهر بين الناس بـ “الصادق الأمين” ، فأسلمت لله رب العالمين .
وصارت تترقب الأيام إلى حين عودة زوجها لكي يدخل معها في الإسلام ، وبمجرد أن عاد وأخبرته إذا به يغضب ويثور على أنها أسلمت دون أن تستأذنه ، ولأن الناس تعلم كم يحبها خشي أن يقول الناس إنه أسلم لأمر امرأة ، فعاند وأصر على ألا يسلم .

منذ تلك اللحظة ينقسم قلب زينب – رضي الله عنه – بين إسلامها ، وبين زوجها الذي يرفض أن يسلم .. ولا ندري كيف كانت تتعذب إذ تظن أنها هي التي أدت بزوجها إلى هذا العناد حين لم تنتظر عودته لتدخل بعد إذنه في الإسلام ، لكن الانتظار عن الحق هو ما لا يمكن ولا يعقل .

لم يلبث الأمر أن اشتد صعوبة ، إذ كان من أساليب قريش في الضغط على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هو أن تطلق بناته .. وقد كانت رقية وأم كلثوم قد تزوجتا ( دون بناء ) بابني أبي لهب ، فأمر أبو لهب أولاده بأن يطلقا بنتي النبي فطلقاهما بالفعل ( تزوجت رقية بعثمان فيما بعد ، وبقيت أم كلثوم دون زواج عشر سنوات كاملة إلى أن تزوجها عثمان بعد وفاة أخيها رقية ) .. واشتد الضغط على أبي العاص ليطلق زينب .

ولكن أبا العاص لشدة حبه لزينب لم يخضع ولم يطلقها وقال : ” لا والله إني لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش “، وظلت معه.

اشتد الأمر على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى هاجر إلى المدينة ، ولم يسمح أبو العاص لزوجته زينب بالهجرة ، فعاشت زينب في مكة التي تعادي أباها ولا تكتم كراهته وإن كانت في ظل زوج حبيب لا يمسها بسوء . لكن العداء بين النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومكة يزداد يوما بعد يوم وأنباء المواجهات العسكرية – وإن كانت محدودة – بين جيش محمد وقوافل مكة تأتي بين الحين والآخر مما ينذر بمعركة كبرى .. وما لبث الأمر كثيرا حتى جاءت معركة بدر .

وهنا تواجه زينب – رضي الله عنها – أخطر موقف في حياتها كلها ، فلقد خرج زوجها الحبيب وأبو ولديها – عليّ وأمامة – إلى معركة بدر ، وسيقف وجها لوجه ضد أبيها النبي الخاتم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهي وإن كانت بقلبها تتمنى النصر لأبيها ، فإن قلبها سينشق لو أصيب زوجها بمكروه .
وأضحت زينب بين حالين أحلاهما مر ، فهي إما يتيمة وإما أرملة ، هذا إن فقدت أباها ، وذلك إن فقدت زوجها .. ولا أظن أني أستطيع وصف معاناتها ، ولا كيف كان يمر بها الليل أو النهار وهي في تلك اللحظات . زوجها وأبوها وجها لوجه في معركة كبرى ، لن ترحم سيوفهما الآخر في لهب المعركة ، كيف كانت في تلك الساعات وهي الوحيدة في بيتها وترميها مكة عن قوس واحدة ؟!! . ربما يتفضل علينا أديب فيحاول صياغة تلك اللحظات الرهيبة بلا أدنى شك .

لكن فضل الله يتنزل عليها ، وتسفر المعركة عن أفضل نتيجة ممكنة : انتصار النبي نصر حاسما كبيرا ، ووقوع زوجها أسيرا ، وما كان في الخيال شئ أفضل من هذا الذي كان .

قرر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) مبلغ ألف درهم كفداء للأسير ، وراحت الأقوام تجمع المال لفداء أسراها . لم يكن لدى زينب – رضي الله عنها – هذا المال ولا شئ منه ، لكنها أخرجت كل ما تملك من مال حتى لقد أرسلت مع المال قلادتها التي كانت قد أهدتها لها أمها خديجة – أم المؤمنين – رضي الله عنها في ليلة زواجها .. أرسلت كل هذا مع أخي زوجها عمرو بن الربيع .

ما إن رأى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) تلك القلادة حتى تذكر خديجة ، فرق لها رسول الله رقة شديدة حتى بكى وترحم على خديجة ، واستأذن الصحابة في أن يطلقوا سراح أبي العاص وقال : ” إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا ” فوافق الصحابة رضوان الله عليهم ، فأعاد النبي القلادة مع أبي العاص ، ولكنه اشترط عليه أن يبعث بزينب إلى المدينة ، وأرسل زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار لكي ينتظرا زينب على بعد من مكة ويصحباها إلى المدينة .

كأنما لابد لها أن تبقى منقسمة القلب مشققة النفس بين الوالد الحبيب والزوج الحبيب .. إنها لمرة أخرى سينتقل جسدها إلى حيث أبيها ويبقى قلبها عند زوجها ، بعدما كان القلب عند أبيها وكانت هي عند زوجها ! ، وهو من وراء الأب والزوج حال بين عداوة الوطن وحفاوة الغربة ..

بمجرد أن دخل أبو العاص على زوجته طلب منها أن تتهيأ للسفر إلى المدينة لأنه وعد النبي بهذا ، وكان رجلا مشهورا بالوفاء .. وحين خرجت زينب من مكة وكانت حبلى في الشهر الرابع ، خرجت مع كنانة بن الربيع – أخي زوجها – إلى حيث يسلمها عند زيد بن حارثة ، ولكن علم بعض مشركي مكة فاندفع مجرمان خبيثان هما هبار بن الأسود ونافع بن عبد عمرو ليطاردا راحلتها ، فضربا بالرمح في الناقة التي تحملها حتى وقعت الناقة فوقعت من عليها زينب على صخرة على بطنها ، فظلت تنزف دما حتى فقدت جنينها ، فأمسك كنانة بقوسه ونثر سهامه أمامه وقال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما ، فبدا أن معركة ستشتعل ، لكن تدخل أبو سفيان وقال : إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا ، وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا ، أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت وأن ذلك منا ضعف ووهن ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة وما لنا في ذلك من ثورة ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها ، فسلها سرا ، وألحقها بأبيها ، فاقتنع كنانة بهذا الكلام وعاد بها إلى أن هدأ الأمر ، ثم أخرجها ليلا إلى حيث ينتظرها زيد بن حارثة والأنصاري اللذان أوصلاها إلى المدينة .

بعد هذه الواقعة بأربع سنوات ، كان نفس الصحابي زيد بن حارثة قائدا لسرية اعترضت قافلة لقريش ( سرية العيص – أواخر 6 هـ ) ، وكان من قدر الله أن قائد هذه القافلة هو نفسه العاص بن أبي الربيع ، فأسر المسلمون هذه القافلة ومن فيها ، وكان من المأسورين بالطبع أبو العاص بن الربيع .
وفي خلسة من الليل استطاع أبو العاص بن الربيع أن يهرب من الأسر ، وانطلق ليلا حتى أتى إلى بيت زينب رضي الله عنها ، فطرقه ليلا فلما فتحته وجدت المفاجأة ورأت آخر من كانت تتوقع رؤيته في تلك الليلة ..
إنه موقف دقيق وشديد الدلالة ، فإن أبا العاص لم يفكر في مأمن إلا عند زوجته زينب التي فارقها منذ أربع سنوات ، وقد أمن على نفسه أن تسلمه أو تجهر بأمره .. وزينب نفسها التي قد يعرضها هذا الموقف لما يشبه اختراق قوانين الحياة في المدينة ، وإخفاء أسير هارب .. لكن ذلك الحب هداها لما هو أقوى من هذا .

لمكانة المرأة في المجتمع الإسلامي ، ولشدة حب زينب لزوجها أبي العاص لم تتردد زينب في أن أدخلته وطمأنته ، فلما انتهت صلاة الفجر إذا بها تصيح من آخر المسجد : يا معشر المسلمين إني قد أجرت زوجي أبا العاص بن الربيع . فلم تكتف فقط بما فعلت بالأمس إذ أمنته من خوف وأطعمته من جوع ، بل أعلنت للناس في المدينة أنها تجير ( يعني : يدخل في حمايتها ) زوجها أبا العاص بن الربيع ، فهو من الآن في ذمتها وحمايتها ، وأي اعتداء عليه هو اعتداء عليها هي .. اللافت للنظر كذلك أنها أخذت هذا القرار منفردة ، وأعلنته منفردة دون حتى أن يعلم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .. فإنه لما سمع نداء زينب من آخر المسجد قال : هل سمعتم ما سمعت ؟ قالوا : نعم . قال : ” فوالذي نفسي بيده ما علمت بشئ مما كان حتى سمعت الذي سمعتم . المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم وقد أجرنا من أجارت ” .

ثم قامت زينب – رضي الله عنها – بما هو أكبر من ذلك : لقد توسطت عند رسول الله أن يرد القافلة وما فيها من أموال إلى أبي العاص ويطلق سراحه ، فاستشار النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الصحابة في هذا الأمر ، وكانوا – رضوان الله عليهم – لا تساوي كنوز الأرض عندهم إسلام واحد من الناس ، فوافقوا وردوا إلى النبي كل ما غنموه من أموال القافلة مهما قل أو صغر ، وعاد أبو العاص بالقافلة إلى مكة .

بمجرد أن عاد إلى مكة رد جميع الأموال إلى أصحابها وقال يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم شئ قالوا لا والله قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله لقد أسلمت بالمدينة وما منعني أن أقيم بالمدينة إلا أني خشيت أن تظنوا أني أسلمت لأن أذهب بالذي لكم .
ثم عاد مسلما إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المدينة ، وعاد إلى زينب زوجا كريما .

ولأول مرة منذ 7 سنوات ، تستطيع زينب – رضي الله عنها – أن ترى أباها وزوجها في نفس الوقت .
ولأول مرة منذ 20 سنة كاملة ، ترى أباها وزوجها في نفس المعسكر .
عشرون عاما ، كان قلبها منشقا بين الأب الحبيب والزوج الحبيب .. كم تمنت فيهما أن تسحب هذا الزوج الحبيب إلى الرسالة الإلهية الخالدة ، وكم عانت – رضي الله عنها – لأجل هذه القسمة ! فلا السنين غيرت حب زوجها ولا خلعته من قلبها ، ولا الحب أعماها عن رؤية الحق واتباعه والإصرار عليه مهما كان هذا قد أغضب زوجها .

إن الموقف قد يحكى في بضعة سطور ، لكنه يحتاج إلى قارئ ذكي يحاول تخيل الحياة في تلك العشرين سنة ، لير كيف يكون الحب عميقا عميقا لكنه لا يعمي عن رؤية الحق ولا يؤخر عن اتباعه .. وكيف أن معاناة عشرين سنة لم تؤثر لا على الحب ولا على اتباع الحق ، بل كانت معاناة عشرين سنة نوعا من جهاد مرير تدور كل معاركه في هذا القلب المتمزق بين هذا وبين هذا .
وبعد عشرين سنة من المعاناة يلتئم هذا القلب بإسلام أبي العاص بن الربيع ..

لم يدم هذا الالتئام إلا سنة واحدة ، فلقد كان مرض بطنها يشتد عليها منذ أن أوقعها هبار بن الأسود ونافع بن عبد عمرو من على جملها لدى خروجها من مكة .. حتى ماتت رضي الله عنها بعد عام واحد من إسلام زوجها ( أوائل 8 هـ ) ولم تر فتح مكة .

وتلك قصة زينب بنت محمد – رضي الله عنها – .. كانت كلها : حبا ومعاناة !
 

أتاني هواها !

من تلك المواقف التي لا أنساها ما حدث يوم أن كنت في الصف الأول الثانوي ( 14 عاما ) ، كنت في حصة اللغة العربية وكانت تعطينا إياها المدرسة (س) والتي لم يكن شرحها يسمن أو يغني من جوع ، وكانت لها ظروف خاصة حيث أنها تقدمت في السن دون أن تتزوج ، ولم تكن على قدر من الجمال ، فكانت تبالغ في زينتها .

هذه المبالغة نسبية ، وإنما كنا نحسبها مبالغة لأن ذلك كان عرف صعيد مصر منذ حوالي عشر سنوات .. وربما كان ما نراه مبالغة هذه الأيام يراه البعض الآن نوعا من التشدد .

المهم أن التعامل مع مدرسة ليست بجميلة وتقدمت بها سن الزواج ولا يسمع لشرحها وتدريسها بالنسبة لمراهقين في فورة البلوغ (14 سنة ) كان يحظى بأشكال خاصة من ناحيتها ومن ناحيتنا .

فمن ناحيتها تبالغ في الحزم والتشدد ، وكان ذلك الحزم مع ماسبق يزيد في أن نواجه كل ذلك بسخرية وغمزات والتقاط مواقف وتفسيرها بما يضحك ، وكان ذلك مما يزيد في حزمها وشدتها مما يزيد من سخرية الطلاب .. وهكذا .

ذات مرة أرادت أن تجري في الفصل مسابقة في الشعر بحيث تختار حرفا ويجتهد الطلاب في أن يأتوا ببيت شعر يبدأ به .. فحملت المسابقة طابع تنافس !

ثم اختارت حرف الألف (أ)

في تلك الفترة كنت غارقا في قراءة كتاب ( الداء والدواء ) للإمام ابن القيم ، وهو كتاب فريد كعادة كتب هذا الإمام العملاق يتناول فيه أمراض القلوب وكيف تعالج .. فكان بالكتاب فصل عن ( داء العشق ) .

حين اختارت المدرسة (س) حرف الألف .. كأنما تلاشى من ذهني كل ما أحفظ من شعر ولم يبق إلا ذلك البيت الذي قرأته في ( الداء والدواء ) وهو :

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى  ***  فصادف قلبا خاليا فتمكنا .

وإني لأجاهد بحثا عن بيت آخر فكأنما كل الكون يرفض ، بل وكأنما كل الكون تحول إلى هذا البيت وفقط .. وصار الأمر متعبا جدا فإني لا أقبل أن يسبقني في الشعر أحد من زملائي في هذا الفصل .. كيف وهم قد اعتبروا أن هذه المسابقة مضمونة لي .. وضع على هذه المشاعر حدة المراهقة وما تحمله من عناد واعتداد بالنفس .. إلخ .

ثم إن قولي لهذا البيت الغزلي شئ صادم لزملائي ممن عرفوني بالتقوى والورع ( هكذا يظنون ) ، وهو شئ غريب قد يحرجني فيما بعد .. وتعلمون ما هو ثمن أن يمسك مراهق بفضيحة بين المراهقين ، وكان حفظي لهذا البيت يعد في تلك الظروف من الفضائح .

ثم إن كون المدرسة أنثى ، وضع خاص .. وحالتها تلك التي شرحت ظروفها وضع يزيد الحالة خصوصية وحرجا .

وفي كل ذلك ما زال الكون يعاند أن يعثر عقلي على بيت شعر آخر ، ويصر على أن يتصدر في وجهي بهذا البيت تحديدا ..

وبطبيعة المراهق ، تغلب صوت الحدة والعناد والحرص على كل أصوات الحكمة ، وفجرت القنبلة في وجه الجميع :

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى  ***  فصادف قلبا خاليا فتمكنا

وما إن انفجرت القنبلة حتى انفجر في الفصل عجب ودهشة ثم ضحكات .. ثم ذكرى بقيت أعير بها سنينا ، ورغم يقين الجميع أني لا أهوى وليست لي أدنى علاقة ببنات حواء إلا أنهم جميعا اتفقوا – دون اتفاق – أن يعيروني بها .. وقد كان !

هذه القصة : دعوة للحكمة !