آيــات حــب

أول مدونة رومانسية إسلامية – يحررها : م. محمد إلهامي

أرشيف لـنثر

بين الفتاتين فرق واضح!

ما بين الفتاتين فارق واضح، الأولى تنشر حولها مجالا من الرحابة، وتبدو ثيابها الفضفاضة الهادئة الألوان كأنها أجنحة ملائكة يداعبها الهواء من حولها فتنتشر سابحة لتصنع فسحة في العين وفسحة في القب أيضا. 

أما الثانية فقد حشرت نفسها بصعوبة داخل هذه الثياب، إنها نموذج للضيق والأزمة والاختناق، حتى إنها لتكاد تنفجر من بين ثيابها، فأنحاؤها تجاهد للخروج من هذا الحبس، وثيابها تجاهد للاحتفاظ بها في داخلها.. ثم إنها مكدسة، رغم هذه القيود والثياب الحديدة تبدو مكدسة مليئة بما ليس له لزوم.

وجه الأولى هاديء طبيعي متسامح مع العالم، فيه الطبيعة والروح ولمسة الحياة، انفعاله طبيعي وواضح وحقيقي، كان بسمة أو دهشة أو حتى غضب جريح.

أما الثانية فوجهها مصنوع من البلاستيك الأبيض، ثُم وُضعت عليه ألوان ومساحيق، إنه وجه مطاطي أو بلاستيكي، ليس فيه روح الحياة وحركة الدم والشرايين، وهو بعد ذلك وجه زاعق صارخ ثائر، يريد أن يعلن عن نفسه بأقوى الأساليب. إنه وجه هجومي شرس، مفترس ينقض على عينيك.

وأعنف ما يكون الهجوم، حين ترى العينان محاطتان بالهالات السوداء الثقيلة، ومن فوقهما طبقات من الأزرق الداكن، ومن تحتهما شفتان دمويتان مكتظتان، ثم قد ترى الأظافر سوداء أو بُنية أو زرقاء.. ولا يمنع أن ترى كذلك شعرًا ثائرًا قائمًا كأنها رماح تحارب السماء.

إنها صورة وحش نموذجي خرج من عالم الخيال إلى واقع الحياة، وحش يذكرني بقول الشاعر الظريف:

قل للجميلة أرسلت أظفارها *** إني لخوف كدت أمضي هاربا

إن المخالب للوحوش نخالها *** فمتى رأينا للظباء مخالبا

بالأمس أنت قصصت شعرك غيلة *** ونقلت عن وضع الطبيعة حاجبا

وغدا نراك نقلت ثغرك للقفا *** وأزحت أنفك رغم أنفك جانبا.

ترى من أقنع الفتاة أن صورتها –على هذه الهيئة- صورة جميلة؟

Advertisements

إياك أعني واسمعي يا وردة ” خطاب عاشق ” .

لم أكن أعلم ونحن في عصر المحمول والانترنت أن الوسائل القديمة مازالت تعيش .. وأن رسائل الحب والهوى مازال يتبادلها العاشقون .. وقد استغربت هذا ، وما هو بغريب .. فإني لا أدعي أني عالم بأحوال العاشقين شديدة الخصوصية .

فالعاشق في الحلال يرى أن خطاباته نوع من الأسرار المقدسة ، لا يجوز إطلاع أقرب الناس عليها .. والعاشق في الحرام لا أتخذه صاحبا ، وإن كان لي منهم أحد فهو يداري عني وسائله لما يعلم من مذهبي واتجاهي .

حتى كان عصر هذا اليوم ، وقع في يدي خطاب مرسل في طرف وردة من عاشق إلى محبوبته .. وقع في يدي بطريق شرعية – حتى لا يذهب الظن بك بعيدا – وقد سمح لي صاحبه بنشره ، أو سمحت لنفسي بالعرض الحصري لهذا الخطاب في ” آيات حب ” .

قال العاشق :

أيتها الوردة ..

اعلمي أني لم أرسلك إليها لأنك جميلة .. فستعلمين إذا وصلت أن الجمال منبعث منها ، وستعلمين خطأك إذ ظننتي أنك ستكونين جميلة بين يديها ، حين تمسك بك أصابعها ستعرفين أنك جميلة لأنك بين يديها .

أيتها الوردة ..

ولم أرسلك إليها لهذا العطر الفواح منك ، فأغلب الظن أن عطرك سيكون قد ذهب حين تصلين ( بين الحبيبين مسافة تقترب من ألف كيلو متر تقريبا .. إلهامي ) ، وحتى لو لم يكن قد ذهب ، فإنك ستعيشين عند من تفوح منها كل الحياة .

لم أرسلك إلا لأنها تحب الورد ، ولولا تلك السعادة التي ستبرق على وجهها البراق لما كنت أرسلتك ، ولا كنت عندي ذات شأن خاص .

أيتها الوردة .. إنك لست كأي وردة !

أنت تحملين سيل مشاعري القوي الدافق ، واللي الرقيق أيضا ، فترى هل تستطيعين حمل هذا السيل إلى مصبه المأمول ؟ لا .. لا أحسبك تفعلين ، فما في صدري لا يقوى على حمله إلا صدري .

لقد أرسلتك بعدما قبلت كل نسيج في أوراقك .. وما كنت أيتها الوردة أقبلك أنت ، بل كنت أرسل دفقاتي تلك على أوراقك ، فإذا وقعت أصابعها على طرف منك فأودعي الأمانة إلى أهلها ، واطبعي قبلاتي في أصابعها ، أدي الأمانة يا أيتها الوردة ولا تكوني بريد سوء تأخذينها لنفسك .

أخبريها يا أيتها الوردة .. قولي لها …..

وأخبريها ….. وأخبريها …. وأخبريها …..

أخبريها بكل همسة هامستك بها واستحييت أن أكتبها على الورق ، لقد استحييت أن يراها الورق ..

لا تكتمي عنها همسة ، ولا كلمة .. بل ولا نبضة .

أيتها الوردة … أنت في مهمة مقدسة ، فخذيها بقوة .. وأوصلي تلك الأمانة .

فإذا أديت الأمانة .. فقد انتهت المهمة ، وعدت عندي وردة .. كأي وردة ”

انتهى خطاب العاشق .

** شروط الاستخدام :

– أن تكون في حب حلال .

– يشترط الإشارة للمصدر ( مدونة آيات حب ) .

الوجود من حولها !

قال مصطفى صادق الرافعي في ( وحي القلم ) :

” ولما رأيتها أول مرة ، ولمسني الحب لمسة ساحر ، جلست إليها أتأملها وأحتسي من جمالها ذلك الضياء المسكر ، الذي تعربد له الروح عربدة كلها وقار ظاهر … فرأيتني يومئذ في حالة كغشية الوحي ، فوقها الآدمية ساكنة ، وتحتها تيار الملائكة يعب ويجري .

وكنت ُألقّي خواطر كثيرة ، جعلت كل شئ منها ومما حولها يتكلم منها في نفسي ، كأن الحياة قد فاضت وازدحمت في ذلك الموضع تجلس فيه ، فما شئ يمر به إلا مسته فجعلته حيا يرتعش ، حتى الكلمات .

وشعرت أول ما شعرت أن الهواء الذي تتنفس فيه يرق رقة نسيم السحر ، كأنما انخدع فيها فحسب وجهها نور الفجر !

وأحسست في المكان قوة عجيبة في قدرتها على الجذب ، جعلتني مبعثرا حول هذه الفتانة كأنها محدودة بي من كل جهة .

وخيل إلي أن النواميس الطبيعية قد اختلت في جسمي إما بزيادة وإما بنقص ، فأنا لذلك أعظم أمامها مرة ، واصغر مرة .

وظننت أن هذه الجميلة إن هي إلا صورة من الوجود النسائي الشاذ ، وقع فيها تنقيح إلهي لتُظهر للدنيا كيف كان جمال حواء في الجنة .

ورأيت هذا الحسن الفاتن يشعرني بأنه فوق الحسن ، لأنه فيها هي ، وأنه فوق الجمال والنضرة والمرح ، لأن الله وضعه في هذا السرور الحي المخلوق امرأة .

والتمست في محاسنها عيبا ، فبعد الجهد قلت مع الشاعر :

إذا عبتها شبهتها البدر طالعا …. ”

— انتهى —