آيــات حــب

أول مدونة رومانسية إسلامية – يحررها : م. محمد إلهامي

أرشيف لـموقف

الحب قاتل الكرامة أو قتيلها !

بعض الناس أهانهم الحب ، حتى بلغت بهم الحال مبلغا غريبا ، لدرجة أن أحدهم – وهو الشاعر دعبل الخزاعي – افتخر بتلك الإهانة واعتبر أنه إذا كان قد هان عليها فلا يستحق أن يُكرم أبدا فقال :

أجد الملامة في هواك لذيذة  ***  حبا لذكرك فلْيلُمْني اللوَّم
وأهَنْتِني ، فأهَنْتُ نفسي صاغرا  ***  ما مَن يهون عليك ممن يُكْرَم

بينما نجد آخرين اصطدم الحب بكرامتهم فآثروا كرامتهم على الحب وقبضوا عليها كأنها الجمر وكأنهم القابضون على الجمر ، ونرى منهم – مثلا – الأديب بل ” إمام الأدب وحجة العرب ” ( وهذا وصف أمير البيان شكيب أرسلان له ) مصطفى صادق الرافعي صاحب وحي القلم وأوراق الورد ورسائل الأحزان وتحت راية القرآن وغيرها من المؤلفات الأدبية الباهرة .

وكان الرافعي يحب مي زيادة * وأحاطت بذلك الحب ظروف عجيبة فلقد أحبها وهو في الثالثة والأربعين من عمره ، وقد كانت هي مسيحية لبنانية الأصل متحررة على عكسه هو المتعمق المتشرب الروح الإسلامية .. وكان من أثر هذا الحب أدب كثير دافئ عنيف ، وهو حقا لون جديد من الأدب سواء في حال الهوى أو في حال الحزن وبعد انتهاء الحب .. وانتهت قصة الحب في لحظة كبرياء .. وإن كان قد سجل فيما بعد حزنا شديدا على ما فعل ، كما سجل أحيانا فخرا شديدا بكبريائه ولو كانت قتلت حبه الأقوى .

زارها مرة في صالونها الأدبي فوجدها تتحدث مع الشاعر إسماعيل صبري ، فما أطاق أن تولى اهتمامها أحدا غيره ، فانطلق نحو الباب منصرفا لينغلق الباب على قصة حب دمرتها الكبرياء .

—————————–

* هامش : وهذا ما يستنتج من المعلومات التي ذكرها محمد سعيد العريان في كتابه ” حياة الرافعي ” ص93 وما بعدها ، وإني أكاد أوقن بصحة استنتاجي هذا ولا أكاد أشك فيه لكن أمانة الكتابة تمنعني من الجزم بما توصلت إليه بالاستنتاج

Advertisements

اللغز الشعري !

روى لي منذ قليل فقال :

طلبت من مخطوبتي شيئا فاعتذرت إلىّ بأنها لا تستطيع ، لم أتضايق والله ولم يكن في طلبي ما يشين فالحمد لله لقد اخترتها لدينها وأحسب أنها أيضا فعلت هذا لما اختارتني .

هي لا تحب الشعر ، فيما أعشقه أنا حتى الثمالة ، اكتشفت هذا حين فاض بي شوق ذات غروب فأرسلت لها على هاتفها هذين البيتين :

ومن عجب أني أحن إليهمو *** فأسأل عنهم من لقيت وهم معي

وتطلبهم عيني وهم في سوادها *** ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي

لم ترد ، وكانت تلك عادتها فهي شديدة الحياء ، لا أذكر أنها اتصلت بي مباشرة إلا لأمر طارئ ، فحسبت أنا أنه حياء ، في مكالمة مني بعدها بأيام اكتشفت أنها لم ترد لأنها لم تفهم البيتين إلا بعد تأمل .. أو ربما فهمته ولكنها تصنعت عدم الفهم لأنها لا تحب الشعر ، وقالت – في حياء – ما معناه : أن هذا النوع من الحب لا يصل إلى القلب إلا بعد أن يتعب العقل والذهن والجسد ، فيصل إلى القلب خاليا من معانيه الحية .

فلما كان هذا الصباح طاف بخاطري بيت من سحر لغة العرب للسهروردي الذي عُرف في تاريخنا بـ ” المقتول” ، وهو البيت الذي قاله لما دفع ثمن ترهاته من حياته .. قال :

أرى قدمي أراق دمي *** وهان دمي فها ندمي .

لم أقاوم روعة هذا الطيف ، وجال برأسي أن أرسل لها هذا البيت في رسالة ، فأحقق فوق تنفيس ما يحتبس لدي من سحر البيت أن استفزها وأداعبها في آن واحد .. فأرسلته لها صباح اليوم .

كعادتها – في الحياء – لم ترد ، لكنني فوجئت أثناء عملي فيما بعد الظهر أنها تتصل ، أدركت أنه لاشك أمر طارئ ، فأجبت متلهفا ، فإذا بها تسأل في جدية : ما معنى هذا الذي أرسلته لي ؟

قلت أنا ( محمد إلهامي ) : وروى لي صديقي تفاصيل المحادثة لكن لم يأذن لي بنشرها .. وخلاصة ما فيها كالآتي :

صديقي هذا لا يدري بالضبط ما حدث ، لقد كانت مخطوبته في محاضرة فجاءتها الرسالة فبقيت تفكر فيها باقي المحاضرة وما استطاعت إلا أن تفعل هذا ، وبمجرد أن انتهت محاضرتها اتصلت به .. هو لا يدري إن كانت لم تفهم البيت بالفعل فحسبتها معاتبة رقيقة على رفضها لما طلبه منها بالأمس ، فاتصلت لتعرف المعنى الموجود في بطن الشاعر !!

أو هي فهمت البيت ، ففهمت أنه لما رأى رفضها بالأمس يلوم نفسه الآن في حبها ، ويعني أنه لو لم يحب ما ذاق هوان الرفض ، ولولا أنها توقن بحبه لها لما رفضت ، فهو الآن يلوم نفسه على ما أوقعه به الحب فتمثل قول الذي مشت به قدمه إلى حتفه فقال :

أرى قدمي أراق دمي *** وهان دمي فها ندمي .

هو إلى الآن لا يدري أي هذين هو ما حدث .. لكن يؤرقه أنه آلمها وهو ما أراد إلا مداعبتها .

قلت أنا – محمد إلهامي – : ذاك طرف من حال أهل العشق ، حال الأمور عندهم غير حالها عند الناس ، والمعاني التي تقال ليلا ونهارا تتحول بينهم إلى كنايات ورموز واحتمالات وآلام .. لو كان أرسل البيت إلى صديق لما جاوز الأمر إلا أن يعتبر الصديق أنها مداعبة .. فاحذروا يامن لا تستيطعون الباءة أن تقعوا في بحر الحب هذا .

أتاني هواها !

من تلك المواقف التي لا أنساها ما حدث يوم أن كنت في الصف الأول الثانوي ( 14 عاما ) ، كنت في حصة اللغة العربية وكانت تعطينا إياها المدرسة (س) والتي لم يكن شرحها يسمن أو يغني من جوع ، وكانت لها ظروف خاصة حيث أنها تقدمت في السن دون أن تتزوج ، ولم تكن على قدر من الجمال ، فكانت تبالغ في زينتها .

هذه المبالغة نسبية ، وإنما كنا نحسبها مبالغة لأن ذلك كان عرف صعيد مصر منذ حوالي عشر سنوات .. وربما كان ما نراه مبالغة هذه الأيام يراه البعض الآن نوعا من التشدد .

المهم أن التعامل مع مدرسة ليست بجميلة وتقدمت بها سن الزواج ولا يسمع لشرحها وتدريسها بالنسبة لمراهقين في فورة البلوغ (14 سنة ) كان يحظى بأشكال خاصة من ناحيتها ومن ناحيتنا .

فمن ناحيتها تبالغ في الحزم والتشدد ، وكان ذلك الحزم مع ماسبق يزيد في أن نواجه كل ذلك بسخرية وغمزات والتقاط مواقف وتفسيرها بما يضحك ، وكان ذلك مما يزيد في حزمها وشدتها مما يزيد من سخرية الطلاب .. وهكذا .

ذات مرة أرادت أن تجري في الفصل مسابقة في الشعر بحيث تختار حرفا ويجتهد الطلاب في أن يأتوا ببيت شعر يبدأ به .. فحملت المسابقة طابع تنافس !

ثم اختارت حرف الألف (أ)

في تلك الفترة كنت غارقا في قراءة كتاب ( الداء والدواء ) للإمام ابن القيم ، وهو كتاب فريد كعادة كتب هذا الإمام العملاق يتناول فيه أمراض القلوب وكيف تعالج .. فكان بالكتاب فصل عن ( داء العشق ) .

حين اختارت المدرسة (س) حرف الألف .. كأنما تلاشى من ذهني كل ما أحفظ من شعر ولم يبق إلا ذلك البيت الذي قرأته في ( الداء والدواء ) وهو :

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى  ***  فصادف قلبا خاليا فتمكنا .

وإني لأجاهد بحثا عن بيت آخر فكأنما كل الكون يرفض ، بل وكأنما كل الكون تحول إلى هذا البيت وفقط .. وصار الأمر متعبا جدا فإني لا أقبل أن يسبقني في الشعر أحد من زملائي في هذا الفصل .. كيف وهم قد اعتبروا أن هذه المسابقة مضمونة لي .. وضع على هذه المشاعر حدة المراهقة وما تحمله من عناد واعتداد بالنفس .. إلخ .

ثم إن قولي لهذا البيت الغزلي شئ صادم لزملائي ممن عرفوني بالتقوى والورع ( هكذا يظنون ) ، وهو شئ غريب قد يحرجني فيما بعد .. وتعلمون ما هو ثمن أن يمسك مراهق بفضيحة بين المراهقين ، وكان حفظي لهذا البيت يعد في تلك الظروف من الفضائح .

ثم إن كون المدرسة أنثى ، وضع خاص .. وحالتها تلك التي شرحت ظروفها وضع يزيد الحالة خصوصية وحرجا .

وفي كل ذلك ما زال الكون يعاند أن يعثر عقلي على بيت شعر آخر ، ويصر على أن يتصدر في وجهي بهذا البيت تحديدا ..

وبطبيعة المراهق ، تغلب صوت الحدة والعناد والحرص على كل أصوات الحكمة ، وفجرت القنبلة في وجه الجميع :

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى  ***  فصادف قلبا خاليا فتمكنا

وما إن انفجرت القنبلة حتى انفجر في الفصل عجب ودهشة ثم ضحكات .. ثم ذكرى بقيت أعير بها سنينا ، ورغم يقين الجميع أني لا أهوى وليست لي أدنى علاقة ببنات حواء إلا أنهم جميعا اتفقوا – دون اتفاق – أن يعيروني بها .. وقد كان !

هذه القصة : دعوة للحكمة !

غير قالون !

أحب الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ، وهو المعروف في التاريخ الإسلامي بأنه علم الاقتداء والتمسك بالسنة والورع .. أحب جارية له وكانت رومية .

قال الإمام ابن القيم في ( روضة المحبين ونزهة المشتاقين ) :

 قال الخرائطي : واشترى عبدالله بن عمر جارية رومية فكان يحبها حبا شديدا فوقعت ذات يوم عن بغلة له فجعل يمسح التراب عن وجهها ويفديها ( أي يقول : فداك نفسي ) وكانت تقول له : أنت قالون تعني جيد .

ثم إنها هربت منه فوجد ( حزن ) عليها وجدا شديدا  وقال

 قد كنت أحسبني قالون فانصرفت        فاليوم أعلم أني غير قالون .

—————-

حمل : روضة المحبين ونزهة المشتاقين .

حمل : برنامج مؤلفات الإمام ابن القيم .