آيــات حــب

أول مدونة رومانسية إسلامية – يحررها : م. محمد إلهامي

أرشيف لـعشق الأعلام

شجرة العروسين .

 * أقدم هذه القصة تحديدا لكثير من الدعاة والشيوخ ليتعلموا منها كثيرا مما ليس مقام بسطه الآن ، فهناك حب من أول نظرة ، ولم يجد الداعية في نفسه إلا شفقة على المحب ، ولم ير الداعية شابا محبا كمن يرى منفلتا مستهترا ، بل رعاه وساعده وأنفق من ماله في شأن الجمع بين الحبيبين .. ربما لو تعلمنا ذلك لجنبنا أمتنا فتنا كثيرة .

 روى الإمام ابن القيم في كتابه ” الداء والدواء ” (ص269 وما بعدها ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1405هـ / 1985 م) :

————

وقال عبد الله بن معمر القيسي: حججت سنة ثم دخلت مسجد المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله على ه وسلم فبينما أنا جالس ذات ليلة بين القبر والمنبر إذا سمعت أنينا فأصغيت إليه فإذا هو يقول:

 أشجاك نوح حمائم السدر  *** فأهجن منك بلابل الصدر
 أم عز نومك ذكر غانية  *** أهدت إليك وساوس الفكر
 يا ليلة طالت على دنف  *** يشكو السهاد وقلة الصبر
 أسلمت من تهوى لحر جوى  *** متوقد كتوقد الجمر
 فالبدر يشهد ومعناه كلف *** مغرم بحب شبيهة البدر
 ما كنت أحسبني أهيم بحبها ***  حتى بليت وكنت لا أدري

ثم انقطع الصوت فلم أدر من أين جاء وإذا به قد عاد البكاء والأنين ثم أنشد يقول:

أشجاك من ريا خيال زائر *** والليل مسود الذوائب عاكر
واغتال مهجتك الهوى برسيسة *** واهتاج مقلتك الخيال الزائر
ناديت ريا والظلام كأنه ***  يم تلاطم فيه موج زاخر
والبدر يسري في السماء كأنه ***  ملك ترجل والنجوم عساكر
ترى به الجوزاء ترقص في الدجى *** رقص الحبيب علاه سكر طاهر
ا ليل طلت على محب ما له *** إلاّ الصباح مساعد وموازر
فأجابني: مت حتف أنفك واعلمن ***  أن الهوى لهو الهوان الحاضر

قال: وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات فلم يتنبه إلاّ وأنا عنده فرأيت شابا مقتبلا شبابه قد خرق الدمع في خده خرقين فسلمت عليه فقال: إجلس من أنت؟

– فقلت: عبد الله بن معمر القيسي
– قال: ألك حاجة؟
– قلت: نعم كنت جالسا في الروضة فما راعني إلاّ صوتك فبنفسي أفديك فما الذي تجده
– فقال: أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب فصليت فيه. ثم اعتزلت غير بعيد فإذا بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل القطا وإذا في وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة وقالت: يا عتبة ما تقول في وصل من يطلب وصلك؟ ثم تركتني وذهبت فلم أسمع لها خبرا ولم أقف لها على أثر فإنا حيران أنتقل من مكان إلى مكان.

 ثم صرخ وأكب مغشيا عليه ثم أفاق كأنما أصبغت وجنتاه بورس ثم أنشد يقول:

 أراكم بقلبي من بلاد بعيدة *** فيا هل تروني بالفؤاد على بعدي
 فؤادي وطرفي يأسفان على كم *** وعندكم روحي وذكركم عندي
 ولست ألذ العيش حتى أراكم  *** ولو كنت في الفردوس جنة الخلد

– فقلت : يا ابن أخي تب إلى ربك واستغفره من ذنبك فبين يديك هول المطلع
– فقال: ما أنا بسائل حتى يذوب العارضان فلم أزل معه حتى طلع الصباح
– فقلت: قم بنا إلى مسجد الأحزاب فلعل الله إن يكشف كربتك
– فقال: أرجوا ذلك إن شاء الله ببركة طاعتك .

فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب فسمعته يقول:

 يا للرجال ليوم الأربعاء أما *** ينفك يحدث لي بعد النهار طربا
 ما إن يزال غزال منه يقلقني *** يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا
 يخبر الناس إن الأجر همته *** وما أنا طالبا للأجر محتسبا
 لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا *** مضمخا بفتيت المسك مختضبا

ثم جلسنا حتى صلينا الظهر فإذا بالنسوة قد أقبلن وليست الجارية فيهن فوقفن عليه وقلن له: يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاشفة بالك

– قال: وما بالها ؟
– قلن: أخذها أبوها وارتحل بها إلى أرض السماوة .

فسألتهن عن الجارية فقلن: هي ريا بنت الغطريف السلمي فرفع عتبة إليهن رأسه وقال:

 خليلي ريا قد أجد بكورها *** وسارت إلى أرض السماوة وغيرها
 خليلي إني قد غشيت من البكى *** فهل عند غيري مقلة أستعيرها

فقلت له: إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر ووالله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضاء فقم بنا إلى مسجد الأنصار فقمنا وسرنا حتى أشرفنا على ملأ منهم فسلمت فأحسنوا الرد فقلت: أيها الملأ ما تقولون في عتبة وأبيه قالوا: من سادات العرب قلت: فإنه قد رمى بداهية من الهوى وما أريد منكم إلاّ المساعدة إلى السماوة فقالوا: سمعا وطاعة .

فركبنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على منازل بني سليم فأعلم الغطريف بنا فخرج مبادرا فاستقلبنا

– وقال: حييتم بالإكرام
– فقلنا: وأنت فحياك الله إنا لك أضياف
– فقال: نزلتم أكرم منزل
فنادى: يا معشر العبيد أنزلوا القوم ففرشت الأنطاع والنمارق وذبحت الذبائح

– فقلنا: لسنا بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا
– فقال: وما حاجتكم ؟
– قلنا: نخطب عقليتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر
– فقال: إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها وأنا أدخل أخبرها؟
 ثم دخل مغضبا على ابنته

– فقالت: يا أبت مالي أرى الغضب في وجهك
– فقال: قد ورد الأنصار يخطبونك مني
– فقالت: سادات كرام استغفر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم فلمن الخطبة منهم؟
– قال: لعتبة
– قالت: والله لقد سمعت عن عتبة هذا إنه يفي بما وعد ويدرك إذا قصد
– فقال: أقسمت لأزوجنك إياه أبدا ولقد نمى إلى بعض حديثك معه
– فقالت: ما كان ذلك ولكن إذا أقسمت فإن الأنصار لا يردون ردا قبيحا فأحسن لهم الرد
– فقال: بأي شيء ؟
– قالت: اغلظ على هم المهر فإنهم قوم يرجعون ولا يحبون
– فقال: ما أحسن ما قلت

فخرج مبادرا على هم

– فقال: إن فتاة الحي قد أجابت ولكني أريد لها مهر مثلها فمن القائم به؟
– فقال عبد الله بن معمر: أنا فقل ما شئت
– فقال: ألف مثقال من ثوب من الأبراد وخمسة أكرسة من عنبر
– فقال عبد الله: لك ذلك كله فهل أجبت؟
– قال: نعم

قال: عبد الله فأنفذت نفرا من الأنصار إلى المدينة فأتوا بجميع ما طلب ثم صنعت الوليمة فقمنا على ذلك أياما ثم قال: خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين ثم حملها في هودج وجهز بثلاثين راحلة من المتاع والتحف فودعناه وسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الغارة أحسبها من سليم فحمل عليها عتبة فقتل منهم رجالا وجندل منهم آخرين ثم رجع وبه طعنة تفور دما فسقط إلى الأرض وأتانا نجدة فطردت الخيل عنا وقد قضى عتبة نحبه فقلنا: واعتبتاه فسمعتنا الجارية فألقت نفسها عن البعير وجعلت تصيح بحرقة وأنشدت:

 تصبرت لا أني ثبرت وإنما *** أعلل نفسي أنها بك لاحقة
 فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى *** أمامك من دون البرية سابقة
 فما أحد بعدي وبعدك منصف *** خليلا ولا نفس لنفس موافقة

ثم شهقت وقضت نحبها فاحتفرنا لهما قبرا واحدا ودفناهما فيه ثم رجعت إلى المدينة فأقمت سبع سنين ثم ذهبت إلى الحجاز ووردت المدينة فقلت والله لآتين قبر عتبة أزوره فأتيت القبر فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر وصفر فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ قالوا شجرة العروسين.

الحب قاتل الكرامة أو قتيلها !

بعض الناس أهانهم الحب ، حتى بلغت بهم الحال مبلغا غريبا ، لدرجة أن أحدهم – وهو الشاعر دعبل الخزاعي – افتخر بتلك الإهانة واعتبر أنه إذا كان قد هان عليها فلا يستحق أن يُكرم أبدا فقال :

أجد الملامة في هواك لذيذة  ***  حبا لذكرك فلْيلُمْني اللوَّم
وأهَنْتِني ، فأهَنْتُ نفسي صاغرا  ***  ما مَن يهون عليك ممن يُكْرَم

بينما نجد آخرين اصطدم الحب بكرامتهم فآثروا كرامتهم على الحب وقبضوا عليها كأنها الجمر وكأنهم القابضون على الجمر ، ونرى منهم – مثلا – الأديب بل ” إمام الأدب وحجة العرب ” ( وهذا وصف أمير البيان شكيب أرسلان له ) مصطفى صادق الرافعي صاحب وحي القلم وأوراق الورد ورسائل الأحزان وتحت راية القرآن وغيرها من المؤلفات الأدبية الباهرة .

وكان الرافعي يحب مي زيادة * وأحاطت بذلك الحب ظروف عجيبة فلقد أحبها وهو في الثالثة والأربعين من عمره ، وقد كانت هي مسيحية لبنانية الأصل متحررة على عكسه هو المتعمق المتشرب الروح الإسلامية .. وكان من أثر هذا الحب أدب كثير دافئ عنيف ، وهو حقا لون جديد من الأدب سواء في حال الهوى أو في حال الحزن وبعد انتهاء الحب .. وانتهت قصة الحب في لحظة كبرياء .. وإن كان قد سجل فيما بعد حزنا شديدا على ما فعل ، كما سجل أحيانا فخرا شديدا بكبريائه ولو كانت قتلت حبه الأقوى .

زارها مرة في صالونها الأدبي فوجدها تتحدث مع الشاعر إسماعيل صبري ، فما أطاق أن تولى اهتمامها أحدا غيره ، فانطلق نحو الباب منصرفا لينغلق الباب على قصة حب دمرتها الكبرياء .

—————————–

* هامش : وهذا ما يستنتج من المعلومات التي ذكرها محمد سعيد العريان في كتابه ” حياة الرافعي ” ص93 وما بعدها ، وإني أكاد أوقن بصحة استنتاجي هذا ولا أكاد أشك فيه لكن أمانة الكتابة تمنعني من الجزم بما توصلت إليه بالاستنتاج

وهكذا يجب أن تحب !

زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لها في الحب قصة لا أدري لم لم تجد اهتماما كبيرا بين الدعاة والعلماء  .
كانت زينب هي البنت الكبرى للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وتزوجت من ابن خالتها أبو العاص بن الربيع ، وكان شديد الحب لها ، وكانت شديدة الحب له .
تبدأ المعاناة في قصة الحب تلك ، من اللحظة التي بُعث فيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، إذ كان أبو العاص بن الربيع في سفر خارج مكة .. ولم تكن زينب بالتي تشك للحظة في صدق وأمانة والدها الذي اشتهر بين الناس بـ “الصادق الأمين” ، فأسلمت لله رب العالمين .
وصارت تترقب الأيام إلى حين عودة زوجها لكي يدخل معها في الإسلام ، وبمجرد أن عاد وأخبرته إذا به يغضب ويثور على أنها أسلمت دون أن تستأذنه ، ولأن الناس تعلم كم يحبها خشي أن يقول الناس إنه أسلم لأمر امرأة ، فعاند وأصر على ألا يسلم .

منذ تلك اللحظة ينقسم قلب زينب – رضي الله عنه – بين إسلامها ، وبين زوجها الذي يرفض أن يسلم .. ولا ندري كيف كانت تتعذب إذ تظن أنها هي التي أدت بزوجها إلى هذا العناد حين لم تنتظر عودته لتدخل بعد إذنه في الإسلام ، لكن الانتظار عن الحق هو ما لا يمكن ولا يعقل .

لم يلبث الأمر أن اشتد صعوبة ، إذ كان من أساليب قريش في الضغط على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هو أن تطلق بناته .. وقد كانت رقية وأم كلثوم قد تزوجتا ( دون بناء ) بابني أبي لهب ، فأمر أبو لهب أولاده بأن يطلقا بنتي النبي فطلقاهما بالفعل ( تزوجت رقية بعثمان فيما بعد ، وبقيت أم كلثوم دون زواج عشر سنوات كاملة إلى أن تزوجها عثمان بعد وفاة أخيها رقية ) .. واشتد الضغط على أبي العاص ليطلق زينب .

ولكن أبا العاص لشدة حبه لزينب لم يخضع ولم يطلقها وقال : ” لا والله إني لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش “، وظلت معه.

اشتد الأمر على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى هاجر إلى المدينة ، ولم يسمح أبو العاص لزوجته زينب بالهجرة ، فعاشت زينب في مكة التي تعادي أباها ولا تكتم كراهته وإن كانت في ظل زوج حبيب لا يمسها بسوء . لكن العداء بين النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومكة يزداد يوما بعد يوم وأنباء المواجهات العسكرية – وإن كانت محدودة – بين جيش محمد وقوافل مكة تأتي بين الحين والآخر مما ينذر بمعركة كبرى .. وما لبث الأمر كثيرا حتى جاءت معركة بدر .

وهنا تواجه زينب – رضي الله عنها – أخطر موقف في حياتها كلها ، فلقد خرج زوجها الحبيب وأبو ولديها – عليّ وأمامة – إلى معركة بدر ، وسيقف وجها لوجه ضد أبيها النبي الخاتم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وهي وإن كانت بقلبها تتمنى النصر لأبيها ، فإن قلبها سينشق لو أصيب زوجها بمكروه .
وأضحت زينب بين حالين أحلاهما مر ، فهي إما يتيمة وإما أرملة ، هذا إن فقدت أباها ، وذلك إن فقدت زوجها .. ولا أظن أني أستطيع وصف معاناتها ، ولا كيف كان يمر بها الليل أو النهار وهي في تلك اللحظات . زوجها وأبوها وجها لوجه في معركة كبرى ، لن ترحم سيوفهما الآخر في لهب المعركة ، كيف كانت في تلك الساعات وهي الوحيدة في بيتها وترميها مكة عن قوس واحدة ؟!! . ربما يتفضل علينا أديب فيحاول صياغة تلك اللحظات الرهيبة بلا أدنى شك .

لكن فضل الله يتنزل عليها ، وتسفر المعركة عن أفضل نتيجة ممكنة : انتصار النبي نصر حاسما كبيرا ، ووقوع زوجها أسيرا ، وما كان في الخيال شئ أفضل من هذا الذي كان .

قرر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) مبلغ ألف درهم كفداء للأسير ، وراحت الأقوام تجمع المال لفداء أسراها . لم يكن لدى زينب – رضي الله عنها – هذا المال ولا شئ منه ، لكنها أخرجت كل ما تملك من مال حتى لقد أرسلت مع المال قلادتها التي كانت قد أهدتها لها أمها خديجة – أم المؤمنين – رضي الله عنها في ليلة زواجها .. أرسلت كل هذا مع أخي زوجها عمرو بن الربيع .

ما إن رأى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) تلك القلادة حتى تذكر خديجة ، فرق لها رسول الله رقة شديدة حتى بكى وترحم على خديجة ، واستأذن الصحابة في أن يطلقوا سراح أبي العاص وقال : ” إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا ” فوافق الصحابة رضوان الله عليهم ، فأعاد النبي القلادة مع أبي العاص ، ولكنه اشترط عليه أن يبعث بزينب إلى المدينة ، وأرسل زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار لكي ينتظرا زينب على بعد من مكة ويصحباها إلى المدينة .

كأنما لابد لها أن تبقى منقسمة القلب مشققة النفس بين الوالد الحبيب والزوج الحبيب .. إنها لمرة أخرى سينتقل جسدها إلى حيث أبيها ويبقى قلبها عند زوجها ، بعدما كان القلب عند أبيها وكانت هي عند زوجها ! ، وهو من وراء الأب والزوج حال بين عداوة الوطن وحفاوة الغربة ..

بمجرد أن دخل أبو العاص على زوجته طلب منها أن تتهيأ للسفر إلى المدينة لأنه وعد النبي بهذا ، وكان رجلا مشهورا بالوفاء .. وحين خرجت زينب من مكة وكانت حبلى في الشهر الرابع ، خرجت مع كنانة بن الربيع – أخي زوجها – إلى حيث يسلمها عند زيد بن حارثة ، ولكن علم بعض مشركي مكة فاندفع مجرمان خبيثان هما هبار بن الأسود ونافع بن عبد عمرو ليطاردا راحلتها ، فضربا بالرمح في الناقة التي تحملها حتى وقعت الناقة فوقعت من عليها زينب على صخرة على بطنها ، فظلت تنزف دما حتى فقدت جنينها ، فأمسك كنانة بقوسه ونثر سهامه أمامه وقال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما ، فبدا أن معركة ستشتعل ، لكن تدخل أبو سفيان وقال : إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا ، وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا ، أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت وأن ذلك منا ضعف ووهن ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة وما لنا في ذلك من ثورة ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها ، فسلها سرا ، وألحقها بأبيها ، فاقتنع كنانة بهذا الكلام وعاد بها إلى أن هدأ الأمر ، ثم أخرجها ليلا إلى حيث ينتظرها زيد بن حارثة والأنصاري اللذان أوصلاها إلى المدينة .

بعد هذه الواقعة بأربع سنوات ، كان نفس الصحابي زيد بن حارثة قائدا لسرية اعترضت قافلة لقريش ( سرية العيص – أواخر 6 هـ ) ، وكان من قدر الله أن قائد هذه القافلة هو نفسه العاص بن أبي الربيع ، فأسر المسلمون هذه القافلة ومن فيها ، وكان من المأسورين بالطبع أبو العاص بن الربيع .
وفي خلسة من الليل استطاع أبو العاص بن الربيع أن يهرب من الأسر ، وانطلق ليلا حتى أتى إلى بيت زينب رضي الله عنها ، فطرقه ليلا فلما فتحته وجدت المفاجأة ورأت آخر من كانت تتوقع رؤيته في تلك الليلة ..
إنه موقف دقيق وشديد الدلالة ، فإن أبا العاص لم يفكر في مأمن إلا عند زوجته زينب التي فارقها منذ أربع سنوات ، وقد أمن على نفسه أن تسلمه أو تجهر بأمره .. وزينب نفسها التي قد يعرضها هذا الموقف لما يشبه اختراق قوانين الحياة في المدينة ، وإخفاء أسير هارب .. لكن ذلك الحب هداها لما هو أقوى من هذا .

لمكانة المرأة في المجتمع الإسلامي ، ولشدة حب زينب لزوجها أبي العاص لم تتردد زينب في أن أدخلته وطمأنته ، فلما انتهت صلاة الفجر إذا بها تصيح من آخر المسجد : يا معشر المسلمين إني قد أجرت زوجي أبا العاص بن الربيع . فلم تكتف فقط بما فعلت بالأمس إذ أمنته من خوف وأطعمته من جوع ، بل أعلنت للناس في المدينة أنها تجير ( يعني : يدخل في حمايتها ) زوجها أبا العاص بن الربيع ، فهو من الآن في ذمتها وحمايتها ، وأي اعتداء عليه هو اعتداء عليها هي .. اللافت للنظر كذلك أنها أخذت هذا القرار منفردة ، وأعلنته منفردة دون حتى أن يعلم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .. فإنه لما سمع نداء زينب من آخر المسجد قال : هل سمعتم ما سمعت ؟ قالوا : نعم . قال : ” فوالذي نفسي بيده ما علمت بشئ مما كان حتى سمعت الذي سمعتم . المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم وقد أجرنا من أجارت ” .

ثم قامت زينب – رضي الله عنها – بما هو أكبر من ذلك : لقد توسطت عند رسول الله أن يرد القافلة وما فيها من أموال إلى أبي العاص ويطلق سراحه ، فاستشار النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الصحابة في هذا الأمر ، وكانوا – رضوان الله عليهم – لا تساوي كنوز الأرض عندهم إسلام واحد من الناس ، فوافقوا وردوا إلى النبي كل ما غنموه من أموال القافلة مهما قل أو صغر ، وعاد أبو العاص بالقافلة إلى مكة .

بمجرد أن عاد إلى مكة رد جميع الأموال إلى أصحابها وقال يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم شئ قالوا لا والله قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله لقد أسلمت بالمدينة وما منعني أن أقيم بالمدينة إلا أني خشيت أن تظنوا أني أسلمت لأن أذهب بالذي لكم .
ثم عاد مسلما إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المدينة ، وعاد إلى زينب زوجا كريما .

ولأول مرة منذ 7 سنوات ، تستطيع زينب – رضي الله عنها – أن ترى أباها وزوجها في نفس الوقت .
ولأول مرة منذ 20 سنة كاملة ، ترى أباها وزوجها في نفس المعسكر .
عشرون عاما ، كان قلبها منشقا بين الأب الحبيب والزوج الحبيب .. كم تمنت فيهما أن تسحب هذا الزوج الحبيب إلى الرسالة الإلهية الخالدة ، وكم عانت – رضي الله عنها – لأجل هذه القسمة ! فلا السنين غيرت حب زوجها ولا خلعته من قلبها ، ولا الحب أعماها عن رؤية الحق واتباعه والإصرار عليه مهما كان هذا قد أغضب زوجها .

إن الموقف قد يحكى في بضعة سطور ، لكنه يحتاج إلى قارئ ذكي يحاول تخيل الحياة في تلك العشرين سنة ، لير كيف يكون الحب عميقا عميقا لكنه لا يعمي عن رؤية الحق ولا يؤخر عن اتباعه .. وكيف أن معاناة عشرين سنة لم تؤثر لا على الحب ولا على اتباع الحق ، بل كانت معاناة عشرين سنة نوعا من جهاد مرير تدور كل معاركه في هذا القلب المتمزق بين هذا وبين هذا .
وبعد عشرين سنة من المعاناة يلتئم هذا القلب بإسلام أبي العاص بن الربيع ..

لم يدم هذا الالتئام إلا سنة واحدة ، فلقد كان مرض بطنها يشتد عليها منذ أن أوقعها هبار بن الأسود ونافع بن عبد عمرو من على جملها لدى خروجها من مكة .. حتى ماتت رضي الله عنها بعد عام واحد من إسلام زوجها ( أوائل 8 هـ ) ولم تر فتح مكة .

وتلك قصة زينب بنت محمد – رضي الله عنها – .. كانت كلها : حبا ومعاناة !
 

غير قالون !

أحب الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ، وهو المعروف في التاريخ الإسلامي بأنه علم الاقتداء والتمسك بالسنة والورع .. أحب جارية له وكانت رومية .

قال الإمام ابن القيم في ( روضة المحبين ونزهة المشتاقين ) :

 قال الخرائطي : واشترى عبدالله بن عمر جارية رومية فكان يحبها حبا شديدا فوقعت ذات يوم عن بغلة له فجعل يمسح التراب عن وجهها ويفديها ( أي يقول : فداك نفسي ) وكانت تقول له : أنت قالون تعني جيد .

ثم إنها هربت منه فوجد ( حزن ) عليها وجدا شديدا  وقال

 قد كنت أحسبني قالون فانصرفت        فاليوم أعلم أني غير قالون .

—————-

حمل : روضة المحبين ونزهة المشتاقين .

حمل : برنامج مؤلفات الإمام ابن القيم .