آيــات حــب

أول مدونة رومانسية إسلامية – يحررها : م. محمد إلهامي

أرشيف لـآيــاتي

سيف العيون المسبلة !

منذ كنت صغيرا وقبل أن أفهم اكتمال الرجل بالمرأة واكتمالها به ، كان مشهد الحياء يسحرني ، غض الطرف إلى الأرض واحد من المشاهد الغائصة في قلبي .. عند أعماق الأعماق ، تستدعيها الأيام كلما جاء ذكر الحياء ، وجاء ذكر الأنثى .

وسبحان من جعل الفتنة في الخفاء !

وعلى قدر ذلك الهيام بمشهد العيون المسبلة ، الغاضة طرفها إلى الأرض ، السيالة بمعنى الحياء .. على قدر نفوري من العين الجرئية ، تتمثل لي وحشا ينتهكني فتفقد في تلك النظرة كل أسباب الجمال ، وتكتسب كل أسباب التوحش .. من الذي أقنع الفتاة بأن جرأتها شجاعة ، وأن تحديها تعبير عن قوة شخصيتها ؟؟ .. قد أراد لها سوءا وإن كان لا يدري .

أنفر من العين الجرئية حتى لكأني أريد الهروب منها خوفا ، ويكتمل مشهد النفور بتلك الأطنان من الزينة التي تحيط بالعين ، إنها تكمل صورة الوحش حتى لكأنك تراه .

وسبحان من جعل النفور في الظهور !

وأذكر أني – في هذا المقام – لم أر وصفا لتلك الحالة أبلغ مما قاله عنترة – شاعر الحب الأول عندي – في وصف هذه اللقطة ، فتنة العين وهي تختفي تحت الجفون .

قال :

وسلت حساما من سواجي جفونها *** كسيف أبيها القاطع المرهف الحد .

تقاتل عيناها به وهو مغمد *** ومن عجب أن يقطع السيف في الغمد !

—————

وإليكم أروع أبيات القصيدة ، مع التذكير بأن الوصف الحسي للمرأة منهي عنه شرعا ، وعنترة كان شاعرا في عصر الجاهلية كما هو معروف .

قال عنترة :

إذا الريح هبت من ربي العلم السعدي *** طفا بردها حر الصبابة الوجد

وذكرني قوما حفظت عهودهم *** فما عرفوا قدري ولا حفظوا عهدي

ولولا فتاة في الخيام مقيمة *** لما اخترت قرب الدار يوما على البعد

مهفهفه والسحر في لحظاتها *** إذا كلمت ميتا يقوم من اللحد

أشارت إليها الشمس عند غروبها *** تقول إذا اسود الدجي فطلعي بعدي

وقال لها البدر المنير ألا سفري *** فإنك مثلي في الكمال وفي السعد

فولت حياء ثم أرخت لثامها *** وقد نثرت من خدها رطب الورد

وسلت حساما من سواجي جفونها *** كسيف ابيها القاطع المرهف الحد

تقاتل عيناها به وهو مغمد ***ومن عجب أن يقطع السيف في الغمد

مرنحه الأعطاف مهضومه الحشا *** منعمه الأطراف مائسة القد

يبيت فتات المسك تحت لثامها *** فيزداد من أنفاسها أرج الند

ويطلع ضوء الصبح تحت جبينها ***فيغشاه ليل من دجي شعرها الجعد

وبين ثناياها إذا ماتبسمت *** مدير مدام يمزج الراح بالشهد

فهل تسمح الأيام يا ابنه مالك ***بوصل يداوي القلب من ألم الصد

سأحلم عن قومي ولو سفكوا دمي *** وأجرع فيك الصبر دون الملا وحدي

وحقك أشجاني التباعد بعدكم *** فهل انتم أشجاكم البعد من بعدي

جذرت من البين المفرق بيننا *** وقد كان ظني لا أفارقكم جهدي

فإن عاينت عيني المطايا وركبها *** فرشت لدي أخفاقها صفحة الخد

Advertisements

“أنا” في المصري اليوم .

اضفط لرؤية المقال كاملا .

إياك أعني واسمعي يا وردة ” خطاب عاشق ” .

لم أكن أعلم ونحن في عصر المحمول والانترنت أن الوسائل القديمة مازالت تعيش .. وأن رسائل الحب والهوى مازال يتبادلها العاشقون .. وقد استغربت هذا ، وما هو بغريب .. فإني لا أدعي أني عالم بأحوال العاشقين شديدة الخصوصية .

فالعاشق في الحلال يرى أن خطاباته نوع من الأسرار المقدسة ، لا يجوز إطلاع أقرب الناس عليها .. والعاشق في الحرام لا أتخذه صاحبا ، وإن كان لي منهم أحد فهو يداري عني وسائله لما يعلم من مذهبي واتجاهي .

حتى كان عصر هذا اليوم ، وقع في يدي خطاب مرسل في طرف وردة من عاشق إلى محبوبته .. وقع في يدي بطريق شرعية – حتى لا يذهب الظن بك بعيدا – وقد سمح لي صاحبه بنشره ، أو سمحت لنفسي بالعرض الحصري لهذا الخطاب في ” آيات حب ” .

قال العاشق :

أيتها الوردة ..

اعلمي أني لم أرسلك إليها لأنك جميلة .. فستعلمين إذا وصلت أن الجمال منبعث منها ، وستعلمين خطأك إذ ظننتي أنك ستكونين جميلة بين يديها ، حين تمسك بك أصابعها ستعرفين أنك جميلة لأنك بين يديها .

أيتها الوردة ..

ولم أرسلك إليها لهذا العطر الفواح منك ، فأغلب الظن أن عطرك سيكون قد ذهب حين تصلين ( بين الحبيبين مسافة تقترب من ألف كيلو متر تقريبا .. إلهامي ) ، وحتى لو لم يكن قد ذهب ، فإنك ستعيشين عند من تفوح منها كل الحياة .

لم أرسلك إلا لأنها تحب الورد ، ولولا تلك السعادة التي ستبرق على وجهها البراق لما كنت أرسلتك ، ولا كنت عندي ذات شأن خاص .

أيتها الوردة .. إنك لست كأي وردة !

أنت تحملين سيل مشاعري القوي الدافق ، واللي الرقيق أيضا ، فترى هل تستطيعين حمل هذا السيل إلى مصبه المأمول ؟ لا .. لا أحسبك تفعلين ، فما في صدري لا يقوى على حمله إلا صدري .

لقد أرسلتك بعدما قبلت كل نسيج في أوراقك .. وما كنت أيتها الوردة أقبلك أنت ، بل كنت أرسل دفقاتي تلك على أوراقك ، فإذا وقعت أصابعها على طرف منك فأودعي الأمانة إلى أهلها ، واطبعي قبلاتي في أصابعها ، أدي الأمانة يا أيتها الوردة ولا تكوني بريد سوء تأخذينها لنفسك .

أخبريها يا أيتها الوردة .. قولي لها …..

وأخبريها ….. وأخبريها …. وأخبريها …..

أخبريها بكل همسة هامستك بها واستحييت أن أكتبها على الورق ، لقد استحييت أن يراها الورق ..

لا تكتمي عنها همسة ، ولا كلمة .. بل ولا نبضة .

أيتها الوردة … أنت في مهمة مقدسة ، فخذيها بقوة .. وأوصلي تلك الأمانة .

فإذا أديت الأمانة .. فقد انتهت المهمة ، وعدت عندي وردة .. كأي وردة ”

انتهى خطاب العاشق .

** شروط الاستخدام :

– أن تكون في حب حلال .

– يشترط الإشارة للمصدر ( مدونة آيات حب ) .

رسالة محمول !

قال شاعر قديم لعله جميل بثينة لولم تخني الذاكرة :

وأحبها وتحبني *** ويحب ناقتها بعيرى .

لقد فاض التآلف بينهما حتى انتقل إلى النوق ، فأحب بعيره ناقتها أيضا .

وحيث أننا في عصر المحمول لا البعير ، وجدتني أفكر كيف لو حاول محب أن يقول بيتا مثل هذا في حبيبته .. أتخيل لو أنه قال لها ” ويحب ناقتها بعيري ” لانتهى جو الحب مفسحا المكان لجو من الكوميديا ، وربما لجو من الاستغراب والاستهجان .. من يدري ؟ فالمحبون لا يتوقع لهم رد ، ولا يؤمن منهم غضب .

فتشت في ذهني حتى أخرجت بيتا يجوز لعصر المحمول فأنشدت قائلا :

وأحبها وتحبني *** ويحب عدتها جهازي .

ثم وجدت أن لفظ ” عدتها ” هذا قد لا يفهم على أنه الهاتف المحمول والتي نسميها في مصر ” عدة ، جهاز ، تليفون ” .. فاستبدلتها بكلمة ” رنتها ” .. والحقيقة أن اللفظ عربي فصيح وليس عاميا كما تخيل أحدهم لما سمع البيت ، لقد صار البيت هكذا .

وأحبها وتحبني *** ويحب رنتها جهازي .

ويمكن أن يكون كذلك : – لمن لم يملك الحب الحلال بعد –

وأحبه ويحبني *** ويحب رنته جهازي .

شروط الاستخدام :

* حقوق النسخ محفوظة ويشترط الإشارة للمصدر . ( مدونة آيات حب )

* لا يجوز استخدام هذه الرسالة إلا في الحب الحلال .

اللغز الشعري !

روى لي منذ قليل فقال :

طلبت من مخطوبتي شيئا فاعتذرت إلىّ بأنها لا تستطيع ، لم أتضايق والله ولم يكن في طلبي ما يشين فالحمد لله لقد اخترتها لدينها وأحسب أنها أيضا فعلت هذا لما اختارتني .

هي لا تحب الشعر ، فيما أعشقه أنا حتى الثمالة ، اكتشفت هذا حين فاض بي شوق ذات غروب فأرسلت لها على هاتفها هذين البيتين :

ومن عجب أني أحن إليهمو *** فأسأل عنهم من لقيت وهم معي

وتطلبهم عيني وهم في سوادها *** ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي

لم ترد ، وكانت تلك عادتها فهي شديدة الحياء ، لا أذكر أنها اتصلت بي مباشرة إلا لأمر طارئ ، فحسبت أنا أنه حياء ، في مكالمة مني بعدها بأيام اكتشفت أنها لم ترد لأنها لم تفهم البيتين إلا بعد تأمل .. أو ربما فهمته ولكنها تصنعت عدم الفهم لأنها لا تحب الشعر ، وقالت – في حياء – ما معناه : أن هذا النوع من الحب لا يصل إلى القلب إلا بعد أن يتعب العقل والذهن والجسد ، فيصل إلى القلب خاليا من معانيه الحية .

فلما كان هذا الصباح طاف بخاطري بيت من سحر لغة العرب للسهروردي الذي عُرف في تاريخنا بـ ” المقتول” ، وهو البيت الذي قاله لما دفع ثمن ترهاته من حياته .. قال :

أرى قدمي أراق دمي *** وهان دمي فها ندمي .

لم أقاوم روعة هذا الطيف ، وجال برأسي أن أرسل لها هذا البيت في رسالة ، فأحقق فوق تنفيس ما يحتبس لدي من سحر البيت أن استفزها وأداعبها في آن واحد .. فأرسلته لها صباح اليوم .

كعادتها – في الحياء – لم ترد ، لكنني فوجئت أثناء عملي فيما بعد الظهر أنها تتصل ، أدركت أنه لاشك أمر طارئ ، فأجبت متلهفا ، فإذا بها تسأل في جدية : ما معنى هذا الذي أرسلته لي ؟

قلت أنا ( محمد إلهامي ) : وروى لي صديقي تفاصيل المحادثة لكن لم يأذن لي بنشرها .. وخلاصة ما فيها كالآتي :

صديقي هذا لا يدري بالضبط ما حدث ، لقد كانت مخطوبته في محاضرة فجاءتها الرسالة فبقيت تفكر فيها باقي المحاضرة وما استطاعت إلا أن تفعل هذا ، وبمجرد أن انتهت محاضرتها اتصلت به .. هو لا يدري إن كانت لم تفهم البيت بالفعل فحسبتها معاتبة رقيقة على رفضها لما طلبه منها بالأمس ، فاتصلت لتعرف المعنى الموجود في بطن الشاعر !!

أو هي فهمت البيت ، ففهمت أنه لما رأى رفضها بالأمس يلوم نفسه الآن في حبها ، ويعني أنه لو لم يحب ما ذاق هوان الرفض ، ولولا أنها توقن بحبه لها لما رفضت ، فهو الآن يلوم نفسه على ما أوقعه به الحب فتمثل قول الذي مشت به قدمه إلى حتفه فقال :

أرى قدمي أراق دمي *** وهان دمي فها ندمي .

هو إلى الآن لا يدري أي هذين هو ما حدث .. لكن يؤرقه أنه آلمها وهو ما أراد إلا مداعبتها .

قلت أنا – محمد إلهامي – : ذاك طرف من حال أهل العشق ، حال الأمور عندهم غير حالها عند الناس ، والمعاني التي تقال ليلا ونهارا تتحول بينهم إلى كنايات ورموز واحتمالات وآلام .. لو كان أرسل البيت إلى صديق لما جاوز الأمر إلا أن يعتبر الصديق أنها مداعبة .. فاحذروا يامن لا تستيطعون الباءة أن تقعوا في بحر الحب هذا .

أتاني هواها !

من تلك المواقف التي لا أنساها ما حدث يوم أن كنت في الصف الأول الثانوي ( 14 عاما ) ، كنت في حصة اللغة العربية وكانت تعطينا إياها المدرسة (س) والتي لم يكن شرحها يسمن أو يغني من جوع ، وكانت لها ظروف خاصة حيث أنها تقدمت في السن دون أن تتزوج ، ولم تكن على قدر من الجمال ، فكانت تبالغ في زينتها .

هذه المبالغة نسبية ، وإنما كنا نحسبها مبالغة لأن ذلك كان عرف صعيد مصر منذ حوالي عشر سنوات .. وربما كان ما نراه مبالغة هذه الأيام يراه البعض الآن نوعا من التشدد .

المهم أن التعامل مع مدرسة ليست بجميلة وتقدمت بها سن الزواج ولا يسمع لشرحها وتدريسها بالنسبة لمراهقين في فورة البلوغ (14 سنة ) كان يحظى بأشكال خاصة من ناحيتها ومن ناحيتنا .

فمن ناحيتها تبالغ في الحزم والتشدد ، وكان ذلك الحزم مع ماسبق يزيد في أن نواجه كل ذلك بسخرية وغمزات والتقاط مواقف وتفسيرها بما يضحك ، وكان ذلك مما يزيد في حزمها وشدتها مما يزيد من سخرية الطلاب .. وهكذا .

ذات مرة أرادت أن تجري في الفصل مسابقة في الشعر بحيث تختار حرفا ويجتهد الطلاب في أن يأتوا ببيت شعر يبدأ به .. فحملت المسابقة طابع تنافس !

ثم اختارت حرف الألف (أ)

في تلك الفترة كنت غارقا في قراءة كتاب ( الداء والدواء ) للإمام ابن القيم ، وهو كتاب فريد كعادة كتب هذا الإمام العملاق يتناول فيه أمراض القلوب وكيف تعالج .. فكان بالكتاب فصل عن ( داء العشق ) .

حين اختارت المدرسة (س) حرف الألف .. كأنما تلاشى من ذهني كل ما أحفظ من شعر ولم يبق إلا ذلك البيت الذي قرأته في ( الداء والدواء ) وهو :

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى  ***  فصادف قلبا خاليا فتمكنا .

وإني لأجاهد بحثا عن بيت آخر فكأنما كل الكون يرفض ، بل وكأنما كل الكون تحول إلى هذا البيت وفقط .. وصار الأمر متعبا جدا فإني لا أقبل أن يسبقني في الشعر أحد من زملائي في هذا الفصل .. كيف وهم قد اعتبروا أن هذه المسابقة مضمونة لي .. وضع على هذه المشاعر حدة المراهقة وما تحمله من عناد واعتداد بالنفس .. إلخ .

ثم إن قولي لهذا البيت الغزلي شئ صادم لزملائي ممن عرفوني بالتقوى والورع ( هكذا يظنون ) ، وهو شئ غريب قد يحرجني فيما بعد .. وتعلمون ما هو ثمن أن يمسك مراهق بفضيحة بين المراهقين ، وكان حفظي لهذا البيت يعد في تلك الظروف من الفضائح .

ثم إن كون المدرسة أنثى ، وضع خاص .. وحالتها تلك التي شرحت ظروفها وضع يزيد الحالة خصوصية وحرجا .

وفي كل ذلك ما زال الكون يعاند أن يعثر عقلي على بيت شعر آخر ، ويصر على أن يتصدر في وجهي بهذا البيت تحديدا ..

وبطبيعة المراهق ، تغلب صوت الحدة والعناد والحرص على كل أصوات الحكمة ، وفجرت القنبلة في وجه الجميع :

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى  ***  فصادف قلبا خاليا فتمكنا

وما إن انفجرت القنبلة حتى انفجر في الفصل عجب ودهشة ثم ضحكات .. ثم ذكرى بقيت أعير بها سنينا ، ورغم يقين الجميع أني لا أهوى وليست لي أدنى علاقة ببنات حواء إلا أنهم جميعا اتفقوا – دون اتفاق – أن يعيروني بها .. وقد كان !

هذه القصة : دعوة للحكمة !

أول آيــة .

آيات حب

تلك صفحات سأكتبها كأني أكتبها لنفسي ..

بالأحرى لست أنا من أكتبها إنما هو شئ دون الكتابة وفوق الكتابة في آن واحد : فهي دون الكتابة لأني لست كاتبها بل ناقلها عمن كتبها ، وليس لي في بلاغتها من نصيب .. وهي فوق الكتابة – عندي – لأني لم أقرأها بل عشتها .. عشتها حياة كاملة .

وقد أكتب أنا إن عن لي أن أكتب .. فلا يخلو الأمر من أن أحاول تنفيس خاطر قد لا أجد أحدا غيري كتبه كما أشعر ، ربما لجهلي بكل من كتب وما كتب .. وربما لأنه لابد أن تكون لي تجربتي الخاصة التي تحفل بخصوصيات لم تكن لغيري .

كان الحب ولا يزال لغزا ..

وغرابة اللغز في أنه كلما ازداد وضوحا كلما ازداد غموضا ، وقد تستطيع تحليل شخصية ما بجملة من صفاته ومواقفه ، فإذا داخله الحب بدا وكأنه شخص لا تعرفه .. كأن مساحات جديدة ولدت في نفسه واحتلت بنفسها سائر النفس حتى سيطرت في لحظات – ربما طالت لأيام أو شهور – على سائر النفس وصارت ملكا عظيم الأثر قوي الهيبة .

إلى الحد الذي يملأ حياة النفس ولو كانت تواجه الموت .. وتلك حقيقة لا يحسن أن ينكرها من لم يذقها .

ومن خوالد هذا ما قاله عنترة بن شداد إذ تذكر محبوبته في ظل السيوف فلاحت له لمعات السيوف كأنها بسمات الحبيب فود لو قبل السيوف وقال :

ولقد ذكرت والرماح نواهل *** مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها *** لمعت كبارق ثغرك المتبسم

الحب سر الله الذي يتفجر بالمعاني كل يوم .. وفي سره لمحة من قدرة الإله القوي اللطيف .. وهو وحده من يملك هذا السر ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ) .. وحقا أن الحب ليس فقط تلك العاطفة بين الرجل والمرأة .. لكن الله شاء أنه إذا قلت (الحب) فقط فسينصرف معنى السامع إلى تلك العاطفة بين الرجل والمرأة .. وكل ما سوى هذا من الحب يلزم أن تعرفه ليعرف ، فلن يفهم أحد أنك تقصد ( حب الله / حب النبي / حب المؤمنين / حب الخير / حب الناس / حب الأب / حب الأم / حب الأبناء … ) مالم تقل وتوضح نسبة الحب إلى الله أو النبي أو الناس أو الأب أو الابن .

وفي ذلك وحده سر .. هو أيضا لمحة من سر الحب .

قالوا قديما : نزلت الحكمة على لسان العرب ، وإن كنا الآن نشكو أن العرب تحولوا إلى لسان فقط فإن ذلك ليس حالنا طول الزمن ، ولا قدرنا أبد الدهر .. بل نحن من نفخر أن سواعدنا ، وليس فقط ألسنتنا ، هي التي أهدت الإنسانية خير أمة أخرجت للناس ، وأعطت للتاريخ تاريخا ما رآى قبله أفضل منه .

لسان العرب البليغ هذا قال في الحب مقالات كأنها لمعة البرق ونعومة النهر وحنين المهاجر ورقة النسيم ولون الزهور ولمسة الساحر .. والحب عند العرب فكر وفن وفلسفة قبل كل غرض آخر صاغه لسانهم حتى كان منه بيان كالسحر .
ولأني لم أوت بلاغة ، وما أحسب أن لساني مسه شئ من الحكمة التي نزلت على لسان العرب .. قدرت أن من خير ما أفعل لخوض هذا الموضوع هو أن أستل رحيق ألسنة المحبين من قديم الكتب وحديثها لأقدم للمحب الحقيقي خير ما يمكن أن تقع عليه عيناه ، وخير ما ينفعه في بلواه – فالحب أحيانا بلوى – .. وفي النفس أغراض أخرى .

لن يكون الكلام في تلك الصفحات عن الحب إلا بمعناه الطهور ، لا بقايا الانحطاط التي سموها حبا لكي يمرروا لنفوس الناس فعل الشياطين .

سميتها ( آيات حب )* :

لأن فيها معنى الآية التي هي في لغة العرب العلامة .. وتلك علامات المحبين تركوها على طريق التاريخ شواهد .
والآية – أيضا – هي العبرة والموعظة ، وسترى في تلك الصفحات بإذن الله من ذلك الحب آية وآيات .
والآية – أيضا – هي الدليل والبرهان ، وفي سحر آياتنا ستجد ألمع دليل وأعمق برهان على حب لا يتغير .
وقبل كل هذا وفوق كل هذا .. فإن لفظة ( آية ) تحمل عندنا سموا خاصا لأن كتاب ربنا آيات ، فما وجدت لفظا يرقى به كلامنا في الحب من معنى خسيس انتشر إلى معنى عظيم لا يندثر إلا ( آيات ) .

وفي النفس أغراض أخرى !

————————

(*) كانت تلك محاولة فاشلة لتقليد شيخنا محمد أحمد الراشد في تقديمه لسلسلة ( رسائل العين ) !