آيــات حــب

أول مدونة رومانسية إسلامية – يحررها : م. محمد إلهامي

بين الفتاتين فرق واضح!

ما بين الفتاتين فارق واضح، الأولى تنشر حولها مجالا من الرحابة، وتبدو ثيابها الفضفاضة الهادئة الألوان كأنها أجنحة ملائكة يداعبها الهواء من حولها فتنتشر سابحة لتصنع فسحة في العين وفسحة في القب أيضا. 

أما الثانية فقد حشرت نفسها بصعوبة داخل هذه الثياب، إنها نموذج للضيق والأزمة والاختناق، حتى إنها لتكاد تنفجر من بين ثيابها، فأنحاؤها تجاهد للخروج من هذا الحبس، وثيابها تجاهد للاحتفاظ بها في داخلها.. ثم إنها مكدسة، رغم هذه القيود والثياب الحديدة تبدو مكدسة مليئة بما ليس له لزوم.

وجه الأولى هاديء طبيعي متسامح مع العالم، فيه الطبيعة والروح ولمسة الحياة، انفعاله طبيعي وواضح وحقيقي، كان بسمة أو دهشة أو حتى غضب جريح.

أما الثانية فوجهها مصنوع من البلاستيك الأبيض، ثُم وُضعت عليه ألوان ومساحيق، إنه وجه مطاطي أو بلاستيكي، ليس فيه روح الحياة وحركة الدم والشرايين، وهو بعد ذلك وجه زاعق صارخ ثائر، يريد أن يعلن عن نفسه بأقوى الأساليب. إنه وجه هجومي شرس، مفترس ينقض على عينيك.

وأعنف ما يكون الهجوم، حين ترى العينان محاطتان بالهالات السوداء الثقيلة، ومن فوقهما طبقات من الأزرق الداكن، ومن تحتهما شفتان دمويتان مكتظتان، ثم قد ترى الأظافر سوداء أو بُنية أو زرقاء.. ولا يمنع أن ترى كذلك شعرًا ثائرًا قائمًا كأنها رماح تحارب السماء.

إنها صورة وحش نموذجي خرج من عالم الخيال إلى واقع الحياة، وحش يذكرني بقول الشاعر الظريف:

قل للجميلة أرسلت أظفارها *** إني لخوف كدت أمضي هاربا

إن المخالب للوحوش نخالها *** فمتى رأينا للظباء مخالبا

بالأمس أنت قصصت شعرك غيلة *** ونقلت عن وضع الطبيعة حاجبا

وغدا نراك نقلت ثغرك للقفا *** وأزحت أنفك رغم أنفك جانبا.

ترى من أقنع الفتاة أن صورتها –على هذه الهيئة- صورة جميلة؟

سيف العيون المسبلة !

منذ كنت صغيرا وقبل أن أفهم اكتمال الرجل بالمرأة واكتمالها به ، كان مشهد الحياء يسحرني ، غض الطرف إلى الأرض واحد من المشاهد الغائصة في قلبي .. عند أعماق الأعماق ، تستدعيها الأيام كلما جاء ذكر الحياء ، وجاء ذكر الأنثى .

وسبحان من جعل الفتنة في الخفاء !

وعلى قدر ذلك الهيام بمشهد العيون المسبلة ، الغاضة طرفها إلى الأرض ، السيالة بمعنى الحياء .. على قدر نفوري من العين الجرئية ، تتمثل لي وحشا ينتهكني فتفقد في تلك النظرة كل أسباب الجمال ، وتكتسب كل أسباب التوحش .. من الذي أقنع الفتاة بأن جرأتها شجاعة ، وأن تحديها تعبير عن قوة شخصيتها ؟؟ .. قد أراد لها سوءا وإن كان لا يدري .

أنفر من العين الجرئية حتى لكأني أريد الهروب منها خوفا ، ويكتمل مشهد النفور بتلك الأطنان من الزينة التي تحيط بالعين ، إنها تكمل صورة الوحش حتى لكأنك تراه .

وسبحان من جعل النفور في الظهور !

وأذكر أني – في هذا المقام – لم أر وصفا لتلك الحالة أبلغ مما قاله عنترة – شاعر الحب الأول عندي – في وصف هذه اللقطة ، فتنة العين وهي تختفي تحت الجفون .

قال :

وسلت حساما من سواجي جفونها *** كسيف أبيها القاطع المرهف الحد .

تقاتل عيناها به وهو مغمد *** ومن عجب أن يقطع السيف في الغمد !

—————

وإليكم أروع أبيات القصيدة ، مع التذكير بأن الوصف الحسي للمرأة منهي عنه شرعا ، وعنترة كان شاعرا في عصر الجاهلية كما هو معروف .

قال عنترة :

إذا الريح هبت من ربي العلم السعدي *** طفا بردها حر الصبابة الوجد

وذكرني قوما حفظت عهودهم *** فما عرفوا قدري ولا حفظوا عهدي

ولولا فتاة في الخيام مقيمة *** لما اخترت قرب الدار يوما على البعد

مهفهفه والسحر في لحظاتها *** إذا كلمت ميتا يقوم من اللحد

أشارت إليها الشمس عند غروبها *** تقول إذا اسود الدجي فطلعي بعدي

وقال لها البدر المنير ألا سفري *** فإنك مثلي في الكمال وفي السعد

فولت حياء ثم أرخت لثامها *** وقد نثرت من خدها رطب الورد

وسلت حساما من سواجي جفونها *** كسيف ابيها القاطع المرهف الحد

تقاتل عيناها به وهو مغمد ***ومن عجب أن يقطع السيف في الغمد

مرنحه الأعطاف مهضومه الحشا *** منعمه الأطراف مائسة القد

يبيت فتات المسك تحت لثامها *** فيزداد من أنفاسها أرج الند

ويطلع ضوء الصبح تحت جبينها ***فيغشاه ليل من دجي شعرها الجعد

وبين ثناياها إذا ماتبسمت *** مدير مدام يمزج الراح بالشهد

فهل تسمح الأيام يا ابنه مالك ***بوصل يداوي القلب من ألم الصد

سأحلم عن قومي ولو سفكوا دمي *** وأجرع فيك الصبر دون الملا وحدي

وحقك أشجاني التباعد بعدكم *** فهل انتم أشجاكم البعد من بعدي

جذرت من البين المفرق بيننا *** وقد كان ظني لا أفارقكم جهدي

فإن عاينت عيني المطايا وركبها *** فرشت لدي أخفاقها صفحة الخد

شجرة العروسين .

 * أقدم هذه القصة تحديدا لكثير من الدعاة والشيوخ ليتعلموا منها كثيرا مما ليس مقام بسطه الآن ، فهناك حب من أول نظرة ، ولم يجد الداعية في نفسه إلا شفقة على المحب ، ولم ير الداعية شابا محبا كمن يرى منفلتا مستهترا ، بل رعاه وساعده وأنفق من ماله في شأن الجمع بين الحبيبين .. ربما لو تعلمنا ذلك لجنبنا أمتنا فتنا كثيرة .

 روى الإمام ابن القيم في كتابه ” الداء والدواء ” (ص269 وما بعدها ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1405هـ / 1985 م) :

————

وقال عبد الله بن معمر القيسي: حججت سنة ثم دخلت مسجد المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله على ه وسلم فبينما أنا جالس ذات ليلة بين القبر والمنبر إذا سمعت أنينا فأصغيت إليه فإذا هو يقول:

 أشجاك نوح حمائم السدر  *** فأهجن منك بلابل الصدر
 أم عز نومك ذكر غانية  *** أهدت إليك وساوس الفكر
 يا ليلة طالت على دنف  *** يشكو السهاد وقلة الصبر
 أسلمت من تهوى لحر جوى  *** متوقد كتوقد الجمر
 فالبدر يشهد ومعناه كلف *** مغرم بحب شبيهة البدر
 ما كنت أحسبني أهيم بحبها ***  حتى بليت وكنت لا أدري

ثم انقطع الصوت فلم أدر من أين جاء وإذا به قد عاد البكاء والأنين ثم أنشد يقول:

أشجاك من ريا خيال زائر *** والليل مسود الذوائب عاكر
واغتال مهجتك الهوى برسيسة *** واهتاج مقلتك الخيال الزائر
ناديت ريا والظلام كأنه ***  يم تلاطم فيه موج زاخر
والبدر يسري في السماء كأنه ***  ملك ترجل والنجوم عساكر
ترى به الجوزاء ترقص في الدجى *** رقص الحبيب علاه سكر طاهر
ا ليل طلت على محب ما له *** إلاّ الصباح مساعد وموازر
فأجابني: مت حتف أنفك واعلمن ***  أن الهوى لهو الهوان الحاضر

قال: وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات فلم يتنبه إلاّ وأنا عنده فرأيت شابا مقتبلا شبابه قد خرق الدمع في خده خرقين فسلمت عليه فقال: إجلس من أنت؟

– فقلت: عبد الله بن معمر القيسي
– قال: ألك حاجة؟
– قلت: نعم كنت جالسا في الروضة فما راعني إلاّ صوتك فبنفسي أفديك فما الذي تجده
– فقال: أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب فصليت فيه. ثم اعتزلت غير بعيد فإذا بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل القطا وإذا في وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة وقالت: يا عتبة ما تقول في وصل من يطلب وصلك؟ ثم تركتني وذهبت فلم أسمع لها خبرا ولم أقف لها على أثر فإنا حيران أنتقل من مكان إلى مكان.

 ثم صرخ وأكب مغشيا عليه ثم أفاق كأنما أصبغت وجنتاه بورس ثم أنشد يقول:

 أراكم بقلبي من بلاد بعيدة *** فيا هل تروني بالفؤاد على بعدي
 فؤادي وطرفي يأسفان على كم *** وعندكم روحي وذكركم عندي
 ولست ألذ العيش حتى أراكم  *** ولو كنت في الفردوس جنة الخلد

– فقلت : يا ابن أخي تب إلى ربك واستغفره من ذنبك فبين يديك هول المطلع
– فقال: ما أنا بسائل حتى يذوب العارضان فلم أزل معه حتى طلع الصباح
– فقلت: قم بنا إلى مسجد الأحزاب فلعل الله إن يكشف كربتك
– فقال: أرجوا ذلك إن شاء الله ببركة طاعتك .

فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب فسمعته يقول:

 يا للرجال ليوم الأربعاء أما *** ينفك يحدث لي بعد النهار طربا
 ما إن يزال غزال منه يقلقني *** يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا
 يخبر الناس إن الأجر همته *** وما أنا طالبا للأجر محتسبا
 لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا *** مضمخا بفتيت المسك مختضبا

ثم جلسنا حتى صلينا الظهر فإذا بالنسوة قد أقبلن وليست الجارية فيهن فوقفن عليه وقلن له: يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاشفة بالك

– قال: وما بالها ؟
– قلن: أخذها أبوها وارتحل بها إلى أرض السماوة .

فسألتهن عن الجارية فقلن: هي ريا بنت الغطريف السلمي فرفع عتبة إليهن رأسه وقال:

 خليلي ريا قد أجد بكورها *** وسارت إلى أرض السماوة وغيرها
 خليلي إني قد غشيت من البكى *** فهل عند غيري مقلة أستعيرها

فقلت له: إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر ووالله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضاء فقم بنا إلى مسجد الأنصار فقمنا وسرنا حتى أشرفنا على ملأ منهم فسلمت فأحسنوا الرد فقلت: أيها الملأ ما تقولون في عتبة وأبيه قالوا: من سادات العرب قلت: فإنه قد رمى بداهية من الهوى وما أريد منكم إلاّ المساعدة إلى السماوة فقالوا: سمعا وطاعة .

فركبنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على منازل بني سليم فأعلم الغطريف بنا فخرج مبادرا فاستقلبنا

– وقال: حييتم بالإكرام
– فقلنا: وأنت فحياك الله إنا لك أضياف
– فقال: نزلتم أكرم منزل
فنادى: يا معشر العبيد أنزلوا القوم ففرشت الأنطاع والنمارق وذبحت الذبائح

– فقلنا: لسنا بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا
– فقال: وما حاجتكم ؟
– قلنا: نخطب عقليتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر
– فقال: إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها وأنا أدخل أخبرها؟
 ثم دخل مغضبا على ابنته

– فقالت: يا أبت مالي أرى الغضب في وجهك
– فقال: قد ورد الأنصار يخطبونك مني
– فقالت: سادات كرام استغفر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم فلمن الخطبة منهم؟
– قال: لعتبة
– قالت: والله لقد سمعت عن عتبة هذا إنه يفي بما وعد ويدرك إذا قصد
– فقال: أقسمت لأزوجنك إياه أبدا ولقد نمى إلى بعض حديثك معه
– فقالت: ما كان ذلك ولكن إذا أقسمت فإن الأنصار لا يردون ردا قبيحا فأحسن لهم الرد
– فقال: بأي شيء ؟
– قالت: اغلظ على هم المهر فإنهم قوم يرجعون ولا يحبون
– فقال: ما أحسن ما قلت

فخرج مبادرا على هم

– فقال: إن فتاة الحي قد أجابت ولكني أريد لها مهر مثلها فمن القائم به؟
– فقال عبد الله بن معمر: أنا فقل ما شئت
– فقال: ألف مثقال من ثوب من الأبراد وخمسة أكرسة من عنبر
– فقال عبد الله: لك ذلك كله فهل أجبت؟
– قال: نعم

قال: عبد الله فأنفذت نفرا من الأنصار إلى المدينة فأتوا بجميع ما طلب ثم صنعت الوليمة فقمنا على ذلك أياما ثم قال: خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين ثم حملها في هودج وجهز بثلاثين راحلة من المتاع والتحف فودعناه وسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الغارة أحسبها من سليم فحمل عليها عتبة فقتل منهم رجالا وجندل منهم آخرين ثم رجع وبه طعنة تفور دما فسقط إلى الأرض وأتانا نجدة فطردت الخيل عنا وقد قضى عتبة نحبه فقلنا: واعتبتاه فسمعتنا الجارية فألقت نفسها عن البعير وجعلت تصيح بحرقة وأنشدت:

 تصبرت لا أني ثبرت وإنما *** أعلل نفسي أنها بك لاحقة
 فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى *** أمامك من دون البرية سابقة
 فما أحد بعدي وبعدك منصف *** خليلا ولا نفس لنفس موافقة

ثم شهقت وقضت نحبها فاحتفرنا لهما قبرا واحدا ودفناهما فيه ثم رجعت إلى المدينة فأقمت سبع سنين ثم ذهبت إلى الحجاز ووردت المدينة فقلت والله لآتين قبر عتبة أزوره فأتيت القبر فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر وصفر فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ قالوا شجرة العروسين.

كفاح في ظل حب .

أنا يا سيدي شاب عشت تجربة فريدة أود أن أضعها أمام قرائك ليستفيدوا منها مثلما أستفيد أنا من تجارب الآخرين التي اقرؤها في هذا الباب ..

فقد نشأت في أسرة ميسورة الحال .. ووالدي ضابط شرطة وصل إلى أعلى رتيها .. وهو ابن باشا سابق .. أما والدتي فسيدة مجتمعات مثقفة جدا ، ولي شقيقة وشقيق يشغلان الآن وظيفتين محترمتين جدا .. وأنا الابن الأكبر لأبوي .. وقد نشأنا جميعا في جو ارستقراطي .. يهتم كثيرا بالشكليات والتقاليد وكل شئ فيه بمواعيد ونظام .. وصداقتنا العائلية كلها من نفس المستوى .

ولأسباب لا أعرفها حتى الآن وجدت نفسي لا أميل كثيرا إلى هذه الحياة .. ولا أجد نفسي في صداقات الشبان والفتيات من وسطنا الاجتماعي .. فاتجهت صداقاتي كلها إلى الشبان البسطاء المكافحين مما جعلني موضع نقد من أفراد أسرتي الذين اتهموني بأني لا أحافظ على مستواي الاجتماعي !.

ولأن أبي قد ورث عن أبيه ميراثا ضخما فقد كنا نعيش حياة مترفة وعندما التحقت بكلية الطب كانت لي سيارة بويك كبيرة أذهب بها إلى الكلية وكثيرا ما رجوت أبي أن يستبدلها لي بسيارة صغيرة لكيلا أشعر بالحرج من زملائي وأساتذتي فكان يرفض بإصرار وكنت أتعمد تركها بعيدا نسبيا عن مبنى الكلية .

وأثناء دراستي بالكلية ارتبطت عاطفيا بإحدى زميلاتي شدتني إليها بساطتها ولمست في أعماقها حنان الدنيا فضلا عن جمالها وذكائها وكانت متفوقة وكنت أيضا متفوقا وتعاهدنا على الارتباط الأبدي بإذن الله وجاء يوم التخرج ونجحنا نحن الاثنين بتقدير عال .. وجاءت اللحظة التي ينبغي أن أحول فيها حلمنا إلى حقيقة ، وفاتحت أسرتي برغبتي في خطبتها ودعوتها لزيارتنا فجاءت ورآها أبي وأمي وإخوتي وأعجبوا جميعا بجمالها وهدوئها وذوقها في اختيار ملابسها .

وبعد الزيارة سألني أبي عن مهنة أبيها وما إن أجبته حتى انفجرت داخله براكين الغضب وهب واقفا يحطم بيديه الأكواب التي أمامه ويعلن بكل إصرار أن هذا الزواج لن يتم أبدا .. أتدري لماذا ؟ لأن والد حبيبتي حلاق .. نعم حلاق وأقولها بكل فخر واعتزاز لأنه رجل شريف مكافح أدى واجبه تجاه أسرته وحقق مالم يحققه بعض “الباشوات” فأهدى إلى الحياة ثلاثة أطباء ومهندسا معماريا وضابطا رغم أنه لم ينل حظا كافيا من التعليم .

وانحازت أمي إلى جانب أبي وانحاز معهما شقيقي وشقيقتي ووجدت نفسي وحدي . أتساءل ماذنبي أنا وفتاتي في أن يحرم كل منا من الآخر .. وأنا لم أعرف للدنيا معنى إلا بعد أن أحببتها وقررت أن أدافع عن حبي وحياتي وتوجهت إلى بيت حبيبتي وقابلت أباها .. وأعطيته صورة صادقة عن الموقف ففوجئت به بعد أن عرف بمعارضة أسرتي يرفض هو أيضا زواجي من ابنته ويقسم أنه لن يسمح بذلك لأنه لا يرضى لنفسه ولا لأسرته أن يقال عنهم أنهم “ضحكوا علي” وخطفوني من أسرتي ، وحين رأى تمسك ابنته بي أعلن بكل وضوح أنه سيتبرأ منها لو تزوجتني على غير إرادته وإرادة أسرتي .

ووجدنا نفسينا حائرين .. أسرتي ترفض بسبب نظرة اجتماعية بالية .. وأسرة حبيبتي ترفض دفاعا عن كرامتها ..

وقررت بعد تفكير طويل أن أضع حدا لهذا العذاب .. فاصطحبت فتاتي ذات يوم ومعي صديقان إلى مكتب المأذون وأخرجنا بطاقتينا وطلبنا منه عقد زواجنا .. وحين قال لي قل ياسيدي : قبلت زواجك على سنة الله ورسوله وعلى الصداق المسمى بيننا وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه .. انهمرت دموعي ودموعها ودموع صديقي .. وخرجنا من مكتبه زوجين أمام الله والناس لنواجه قدرنا وحدنا – بلا سند إلا الله سبحانه وتعالى – ولم تتأخر المتاعب طويلا ، فما إن علم أبي بما حدث حتى طردني سامحه الله من البيت وسحب مني سيارة الأسرة فخرجت من البيت أحما حقيبة ملابسي الصغيرة وفي جيبي سبعة جنيهات هي كل ما بقي معي بعد أجر المأذون وما إن علم أبوها بما جرى حتى طردها هي أيضا فخرجت من البيت ومعها حقيبة ملابس صغيرة وأربعة جنيهات ، ووجدنا نفسينا في الشارع بلا مأوى .. وكنا في شهر فبراير ولم يبق سوى شهر على تسلم عملنا كطبيبي امتياز في الشهر التالي حيث سيتقاضى كل منا أربعين جنيها وكانت ليلة طردنا شديدة البرودة .. فجلسنا في محل نحتمي داخله من الصقيع ونفكر فيما سنفعل .. وكلما مرت ساعة ولم نجد مأوى ازداد خوفنا .. حتى جاء الفرج ونجحت في الاتصال بأحد أصدقائي واقترضت منه خمسين جنيها وذهبنا إلى إحدى اللوكاندات الشعبية الرخيصة .. وحين احتوتنا الغرفة المتواضعة لأول مرة .. كان كا منا يعرف في أعماقه أن أمامنا أياما صعبة لن يخفف منها سوى عطف كل منا على الآخر وحمايته له .. وعشنا في اللوكاندة فترة تسلمنا خلالها العمل في المستشفى ثم وفق الله أحد أصدقائي في أن يجد لنا شقة من حجرتين على الطوب الأحمر في بيت صغير في زقاق ضيق بأحد الأحياء الشعبية ، وكانت هدية من السماء لأن صاحبها كان في حاجة إلى نقود فقبل تأجيرها لنا بلا مقدم ولا خلو بخمسة وعشرين جنيها .. وفرحنا بها فرحة كبرى وأسرعنا ننتقل إليها .. واشترينا أول أثاث عرفناه لبيتنا .. وكان مرتبة من الاسفنج ووسادتين ومكتبا خشبيا صغيرا وكرسيين ووابور بوتاجاز وبرادا وكوبين وحلتين فقط لا غير !.

وفي هذا العش الهادئ عشنا حياتنا سعداء بوجودنا معا لا يزعجنا فيه شئ سوى كثرة الفئران والحشرات .. وكانت زوجتي قوية الإرادة فتعاهدنا أن نبني حياتنا دون مساعدة من أحد .. وكانت أيضا مدبرة فكان مبلغ الخمسة والخمسين جنيها التي تتبقى لنا بعد دفع الإيجار تكفينا طوال الشهر للأكل والمواصلات ولكن بلا أي ترفيه أو شراء ملابس ، وأحبنا جيراني البسطاء وأحببناهم .. وكانوا يشفقون علينا من شظف حياتنا ويتعجبون من سوء حالنا ونحن طبيبان حتى قال لي أحدهم مرة بتلقائية غريبة : إحنا كنا فاكرين إن الدكاترة كلهم حرامية لكن ياما في الحبس مظاليم !.

وخففت عنا صداقتهم بعض صعوبة الحياة فكانت جاراتنا يعرضن خدماتهن على زوجتي بشهامة مألوفة عندهن فتطلب مننها جارة مثلا ملابسنا لكي تغسلها لأننا طبيبان مشغولان بالعمل .. وتتطوع أخرى بشراء حاجيات البيت لها .. وتصر ثالثة على أن تشاركها تنظيف الشقة بهمة . وأنا أتذكر هذه الأشياء البسيطة الآن .. لأني كثيرا ما وجدت فيها تعويضا لنا عن جفاء أهلنا لنا وقسوتهم علينا في هذه الأيام الصعبة رغم علمهم بكل ظروفنا ففي مقابل هذا العطف من الجيران البسطاء .. لم يحاول أحد من أهلنا زيارتنا أو السؤال عنا .. بل ولم يتركونا أيضا في حالنا ففوجئت في إحدى الليالي وأنا وزوجتي نائمين بعد يوم شاق في العمل بأربعة وحوش يقتحمون شقتنا .. ويحطمون المكتب والكرسيين .. ويمزقون المرتبة الوحيدة التي ننام عليها وكتبنا وأوراقنا ويسبوننا بأفظع الشتائم .. بحجة أنهم يفتشون الشقة ثم خرجوا ورئيسهم يهددني : أنتم لسه شفتم حاجة .. عشان تبقى تتحدى الباشا! يقصد أبي الذي كان ترقى وقتها إلى رتبة اللواء !.

وخرج الرجال الأربعة .. وانحنينا نحن نلملم الاسفنج الممزق الذي خرج من بطن المرتبة ونعيد حشوها ونخيطها .. ونجمع كتبنا الممزقة .. ونحاول إصلاح المكتب والكرسيين .. ثم غلبنا التعب فنمنا على المرتبة وقد أمسك كل منا بالآخر بقوة كأنه يحتمي به مما تخفيه له الأيام .. وبالفعل فلقد انتابني الإحساس بأن أبي لن يدعنا في حالنا .. وتحققت مخاوفي حين أبلغني صديق لي أن أبي يدبر أن يلفق لزوجتي قضية آداب ! هل تصدق ذلك .. هذا ما حدث والله العظيم ولم يرجع أبي عن نيته إلا بعد أن أقسم له صديقي أنه سيقنعني بتطليقها .. لكيلا أعاند وأتمسك بها أكثر لو حدث لها مكروه وأصبحت مهمة صديقي هي أن يزوره كل عدة أيام ليطلب منه الصبر .. حتى ينجح في إقناعي لإضاعة الوقت لعله يهدأ وينساني قليلا .. وخلال ذلك جاءت فترة التجنيد وأمصيت عاما لا أتقاضى فيه سوى ستة جنيهات كل شهر وكنت أعمل لهذه الفترة ألف حساب .. لكن الله لم ينسنا فوجدت زوجتي عملا في مستوصف قريب من البيت وأصبحت هي التي تتولى الإنفاق على الأسرة .

وانتهت فترة التجنيد وخرجت من الجيش لأجد زوجتي مصممة على تسجيل الماجستير لي وظننت أن عقلها قد أصابه شئ ! لأني كنت انتظر بفارغ الصبر انتهاء فترة الجنيد لكي نبحث عن عمل في الخارج .. لنعيش حياتنا ولنهرب بعيدا عن قسوة الأهل وتربصهم لنا ، لكنها صممت وقالت لي إننا متفوقان وقد صمدنا للضيق والشدة والمضايقات فلماذا لا نكمل مشوارنا العلمي ثم نحقق بعد ذلك أحلامنا ؟

واستجبت لاقتراحها مرغما ومعجيا بها وبقوة إرادتها في نفس الوقت وسجلت أنا وهي للماجستير .. وبدلا من أن نستريح بعدما لقيناه .. بدأنا نستعد لفترة أخرى أشد قسوة ومرارة .. لأن الماجستير يحتاج إلى تكاليف وإلى كتب وإلى عناء كثير .

وبدأنا نذاكر للماجستير .. وقاسينا من الضيق والحاجة أشد مما قاسيناه طوال زواجنا .. ويكفي أن أقول لك إن طعامنا خلال الشهرين ألأخيرين من الدراسة كان لا يتجاوز الخبز والدقة والملح والماء تقريبا وأننا كثيرا ما قاسينا الجوع في ليالي المذاكرة الطويلة .. ولم نكن نجد ما نسكته به سوى الماء ، وما زلت أذكر حتى الآن أني أسرفت ذات ليلة في شرب الماء لكي أتقي الجوع فانقلبت معدتي وتقيأت وشعرت بالجوع أكثر وأكثر ولم نجد بدا من التضحية ببضعة قروش فخرجت في الليل أبحث عن شئ يؤكل .

ورغم ذلك كنا سعداء .. ولم نشك يوما .. ولم نندم .. ولم أر زوجتي مرة باكية .. حزينة .. أو غاضبة لأي سبب من الأسباب .. بل كلما رفعت رأسي عن الكتاب متململا وجدتها تنظر لي بعينيها الجميلتين والابتسامة الحبيبة تغطي وجهها .. فأبتسم لها ثم أحني رأسي مرة أخرى على الكتاب .. وقد زال ضيقي .

وكلل الله جهودنا بالنجاح فحصلنا على الماجستير في زمن قياسي خلال عامين فقط .. لكن أزمتنا لم تنفرج بل عشنا عاما آخر بعد الماجستير نعاني من شظف العيش وننام فوق المرتبة وليس في حياتنا أية نسمة راحة حتى وفقني الله بعد جهد جهيد في الحصول على عقدي عمل لي ولزوجتي في إحدى الدول ولأول مرة بعد 5 سنوات من العناء عرفت حياتنا أول لحظة راحة .. فعشنا في شقة جميلة وعرفنا النوم على الفراش .. وعرفنا التليفزيون بعد أن كنا قد نسيناه .. وعرفنا الطعام الجيد بعد أن كنا قد ودعناه منذ 5 سنوات وخلال عامين كنا قد تمكنا من شراء شقة تمليك في أحد أحياء القاهرة وأثثناها .. واشتاقت نفسي للعودة إلى بلدي بعد أن وجدنا لأنفسنا فيها مأوى كريما ، لكن حبيبتي “المجنونة” خرجت علي مرة أخرى بطموح جديد وهو أن نحصل على زمالة كلية الجراحين الملكية بلندن .. وبنفس المنطق نحن متفوقان .. وقد مضت أيام الشدة ولدينا الآن النقود التي تسمح لنا بالإنفاق على الزمالة .. إلخ .. وباختصار : حصلنا على الزمالة من لندن بتوفيق من الله .. وبجدنا واجتهادنا .. وبعد الحصول على الزمالة تعاقدنا للعمل في دولة أخرى بمرتبين خياليين وتقدمنا في عملنا فأصبحت مديرا فنيا للمستشفى الذي أعمل به وأصبحت زوجتي مديرة للقطاع الطبي بالشركة التي تعمل بها .. ورزقنا الله بطفلة جميلة لم أتردد في أن أسميها باسم شريكة كفاحي وشقائي وسعادتي .. زوجتي .

وبعد 3 سنوات من الغربة عدنا إلى القاهرة في إجازة .. وفي داخلي تصميم على شئ لم أصارح به زوجتي إلا بعد وصولنا لمصر بأسبوع ، هو أن نحتفل بزفافنا الذي لم نحتفل به يوم تزوجنا منذ 8 سنوات لأن من حق حبيبتي أن ترتدي ثوب الزفاف الأبيض الذي لم ترتديه .. وأن أرتدي بدلة الفرح التي لم يكن لي مثلها حين تزوجت .. وصممت ونفذت وتحديت الجميع وأقمت حفل الزفاف في نادي الشرطة ! ودعوت كل أصدقائي الذين وقفوا إلى جوارنا في وقت الشدة .. وتصدر الحفل جيراني البسطاء في شقة الطوب الأحمر فرحين مندهشين ودخلت القاعة مع زوجتي بثوب الزفاف وأمامنا المشاعل والشموع وفرقة الزفة .. وطفلتي تجري بين أقدام المدعوين وتضحك سعيدة وهي لا تدري أنه حفل زفاف أبويها ! ونمت ليلتها قرير العين شاكرا لربي نعمته التي أنعمها عليّ .

إنني أكتب إليك الآن لأني سعيد وراض عن كفاحي لأقول لكل إنسان إن الصبروالكفاح يحققان للإنسان ما يريده لنفسه وأن على كل إنسان ألا ييأس من رحمة الله لأن لكل شدة نهاية ولكل ضسق آخر وعلينا فقط أن نؤدي واجينا تجاه أنفسنا ثم نسلم الأمر للخالق جل شأنه ليختار لنا ما يشاء ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

** من رسائل بريد الجمعة في جريدة الأهرام ، وهذا النص منقول عن كتاب “نهر الحياة” للأستاذ عبد الوهاب مطاوع رحمه الله ، ص 17 – 24 . ط4 – دار الشروق 1422 هـ ، 2001 م .

“أنا” في المصري اليوم .

اضفط لرؤية المقال كاملا .

قُـبْـــحٌ جـميــل ! (قصة ساحرة)

يرويها قلم مصطفى صادق الرافعي إمام الأدب وحجة العرب في كتابه الكنز ” من وحي القلم ” .

قال الرافعي :

” دخل أحمد بن أيمن (كاتب ابن طولون) البصرة، فصنع له مسلم بن عمران التاجر المتأدب صنيعاً –أي طعاماً-دعا إليه جماعة من وجوه التجار وأعيان الأدباء، فجاء ابنا صاحب الدعوة، وهما غلامان، فوقفا بين يدي أبيهما، وجعل ابن أيمن يطيل النظر إليهما، ويُعجَبُ من حسنهما، وبزتهما وروائهما، حتى كأنما أفرغا في الجمال وزينته إفراغاً، أو كأنما جاءا من شمس وقمر لا من أبوين من الناس،أو هما نبتا في مثل تهاويل الزهر من زينته التي تبدعها الشمس، ويَصقِلُها الفجر، ويتندى بها روح الماء العذب؛ وكان لا يصرف نظره عنهما إلا رجع به النظر، كأن جمالهما لا ينتهي فما ينتهي الإعجاب به.

وجعل أبوهما يُسارقه النظر مسارقة، ويبدو كالمتشاغل عنه، لِيَدع له أن يتوسم ويتأمل ما شاء، وأن يملأ عينيه مما أعجبه من لؤلؤتيه ومخايلهما؛ بيد أن الحُسنَ الفاتن يأبى دائماً إلا أن يسمع من ناظره كلمة الإعجاب به، حتى لينطق المرء بهذه الكلمة أحياناً، وكأنها مأخوذة من لسانه أخذاً، وحتى ليُحس أن غريزة في داخله كلمها الحسن من كلامه فردت عليه من كلامها.

قال ابن أيمن، سبحان الله؛ ما رأيت كاليوم قط دميتين لا تفتح الأعين على أجمل منهما؛ ولو نزلا من السماء وألبستهما الملائكة ثياباً من الجنة، ما حسبت أن تصنع الملائكة أظرف ولا أحسن مما صنعت أمهما.

فالتفت إليه مسلم وقال: أحب أن تعوِّذهما. فمد الرجل يده ومسح عليهما، وعوذهما بالحديث المأثور، ودعا لهما، ثم قال: ما أراك إلا اسْتَجَدْتَ الأم فحَسُنَ نسلك، وجاء كاللؤلؤ يشبه بعضه بعضاً، صغاره من كباره؛ وما عليك ألا تكون قد تزوجت ابنة قيصر فأولدتَها هذين، وأخرجتهما هي لك في صيغتها الملوكية (تجيء هذه الكلمة في كتب الأدب والتاريخ على غير قاعدة النسب، وهو الأفصح في رأينا، ومن ذلك تسمية الإمام ابن جني كتابه: التصريف الملوكي) من الحسن والأدب والرونق، وما أرى مثلهما يكونان في موضع إلا كان حولهما جلال الملك ووقاره، مما يكون حولهما من نور تلك الأم.

فقال مسلم: وأنت على ذلك غير مصدق إذا قلت لك إني لا أحب المرأة الجميلة التي تصف، وليس بي هوى إلا في امرأة دميمة هي بدمامتها أحب النساء إلي، وأخفهن على قلبي، وأصلحهن لي، ما أعدل بها ابنة قيصر ولا ابنة كسرى.

فبقي ابن أيمن كالمشدوه من غرابة ما يسمع، ثم ذكر أن من الناس من يأكل الطين ويستطيبه لفساد في طبعه، فلا يحلو السكر في فمه وإن كان مكرراً خالص الحلاوة؛ ورثى أشد الرثاء لأم الغلامين أن يكون هذا الرجل الجلف قد ضارها (المضارة: اتخاذ الضرّة على الزوجة) بتلك الدميمة أو تسرى بها عليها؛ فقال وما يملك نفسه: أما والله قد كفرت النعمة، وغدرت وجحدت وبالغت في الضر، وإن أمَّ هذين الغلامين لامرأة فوق النساء، إذ لم يتبين في ولديها أثر من تغير طبعها وكدور نفسها، وقد كان يسعها العذر لو جعلتهما سخنة عين لك وأخرجتهما للناس في مساوئك لا في محاسنك، وما أدري كيف لا تند عليك، ولا كيف صَلُحت بمقدار ما فسدْتَ أنت، واستقامت بمقدار ما التويت، وعجيبٌ والله شأنكما! إنها لتغدو في كرم الأصل والعقل والمروءة والخلق، كما تغلو أنت في البهيمية والنزق والغدر وسوء المكافأة.

قال مسلم: فهو والله ما قلت لك، وما أحب إلا امرأة دميمة قد ذهبت بي كل مذهب، وأنستني كل جميلة في النساء، ولئن أخذت أصفها لك لما جاءت الألفاظ إلا من القبح والشوهة والدمامة؛ غير أنها مع ذك لا تجيء إلا دالةً على أجمل معاني المرأة عند رجُلها في الحظوة والرضى وجمال الطبع؛ وانظر كيف يلتئم أن تكون الزيادة في القبح هي زيادة في الحسن وزيادة في الحب، وكيف يكون اللفظ الشائه، وما فيه لنفسي إلا المعنى الجميل، وإلا الحس الصادق بهذا المعنى، وإلا الاهتزاز والطرب لهذا الحس؟

قال ابن أيمن: والله إن أراك إلا شيطاناً من الشياطين، وقد عجل الله لك من هذه الدميمة زوجتك التي كانت لك في الجحيم. لتجتمعا معاً على تعذيب تلك الحوراء الملائكية أمِّ هذين الصغيرين، وما أدري كيف يتصل ما بينكما بعد هذا الذي أدخلت من القبح والدمامة في معاشرتها ومعايشتها، وبعد أن جعلتها لا تنظر إليك إلا بنظرتها إلى تلك. أفبهيمة هي لا تعقل، أم أنت رجل ساحر، أم فيك ما ليس في الناس، أم أنا لا أفقه شيئاً؟

فضحك مسلم وقال: إن لي خبراً عجيباً: كنت انزل ( الأبُلَّة ) وأنا متعيش (أي متكسّب ليعيش لا ليغتني، وهذا يسميه العامة: المتسبب) فحملت منها تجارة إلى البصرة فربحت، ولم أزل أحمل من هذه إلى هذه فأربح ولا أخسر، حتى كثر مالي، ثم بدا لي أن أتسع في الآفاق البعيدة لأجمع التجارة من أطرافها، وأبسط يدي للمال حيث يكثر وحيث يقل، وكنت في ميعة الشباب وغلوائه، وأول هجمة الفتوة على الدنيا، وقلت: إن في ذلك خلالاً؛ فأرى الأمم في بلادها ومعايشها، وأتقلب في التجارة، وأجمع المال والطرائف، وأفيد عظة وعبرة، وأعلم علماً جديداً، ولعلني أصيب الزوجة التي أشتهيها وأصور لها في نفسي التصاوير، فإن أمري من أوله كان إلى علوٍّ فلا أريد إلا الغاية، ولا أرمي إلا للسبق، ولا أرضى أن أتخلف في جماعة الناس. وكأني لم أر في الأبلة ولا في البصرة امرأةً بتلك التصاوير التي في نفسي، فتأخذها عيني، فتعجبني، فتصلح لي، فأتزوج بها، وطمعت أن أستنزل نجماً من تلك الآفاق أحرزه في داري؛ فما زلت أرمي من بلد إلى بلد حتى دخلت بلخ (موقعها اليوم في بلاد الأفغان) من أجلّ مدن خراسان وأوسعها غلة، تحمل غلتها إلى جميع خراسان وإلى خوارزم؛ وفيها يومئذ كان عالمها وإمامها أبو عبد الله البلخي وكنا نعرف اسمه في البصرة؛ إذ كان قد نزلها في رحلته وأكثر الكتابة بها عن الرواة والعلماء؛ فاستخفَّتني إليه نزية من شوقي إلى الوطن، كأن فيه بلدي وأهلي؛ فذهبت إلى حلقته، وسمعته يفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( سوداء ولود خير من حسناء لا تلد). فما كان الشيخ إلا في سحابة، وما كان كلامه إلا وحياً يوحى إليه. سمعت والله كلاماً لا عهد لي بمثله، وأنا من أول نشأتي أجلس إلى العلماء والأدباء، وأداخلهم في فنون من المذاكرة، فما سمعت ولا قرأت مثل كلام البلخي، ولقد حفظته حتى ما تفوتني لفظة منه، وبقي هذا الكلام يعمل في نفسي عمله، ويدفعني إلى معانيه دفعاً، حتى أتى علي ما سأحدثك به. إن الكلمة في الذهن لتوجد الحادثة في الدنيا.

قال ابن أيمن: اطو خبرك إن شئت، ولكن اذكر لي كلام البلخي، فقد تعلقت نفسي به.

قال: سمعت أبا عبد الله يقول في تأويل ذلك الحديث: أما في لفظ الحديث فهو من معجزات بلاغة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو من أعجب الأدب وأبرعه، ما علمت أحداً تنبه إليه؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لا يريد السوداء بخصوصها، ولكنه كنى بها عما تحت السواد، وما فوق السواد، وما هو إلى السواد، من الصفات التي يتقبحها الرجال في خلقة النساء وصورهن؛ فألطف التعبير ورق به، رفعاً لشأن النساء أن يصف امرأة منهن بالقبح والدمامة، وتنزيهاً لهذا الجنس الكريم، وتنزيهاً للسانه النبوي؛ كأنه صلى الله عليه وسلم يقول: إن ذكر قبح المرأة هو في نفسه قبيح في الأدب، فإن المرأة أم أو في سبيل الأمومة؛ والجنة تحت أقدام الأمهات؛ فكيف تكون الجنة التي هي أحسن ما يتخيل في الحسن تحت قدمي امرأة، ثم يجوز أدباً أو عقلاً أن توصف هذه المرأة بالقبح.

أما إن الحديث كالنص على أن من كمال أدب الرجل إذا كان رجلاً ألا يصف امرأة بقبح الصورة ألبتة، وألا يجري في لسانه لفظ القبح وما في معناه، موصوفاً به هذا الجنس الذي منه أمه: أيود أحدكم أن يمزق وجه أمه بهذه الكلمة الجارحة؟

وقد كان العرب يفصلون لمعاني الدمامة في النساء ألفاظاً كثيرة، إذ كانوا لا يرفعون المرأة عن السائمة والماشية، أما أكمل الخلق -صلى الله عليه وآله وسلم- فما زال يوصي بالنساء ويرفع شأنهن حتى كان آخر ما وصى به ثلاث كلمات، كان يتكلم بهن إلى أن تلجلج لسانه وخفى كلامه؛ جعل يقول : «الصلاة …الصلاة. وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم مالا يطيقون؛ الله الله في النساء» .

قال الشيخ: كأن المرأة من حيث هي إنما هي صلاة تتعبد بها الفضائل، فوجبت رعايتها وتلقيها بحقها، وقد ذكرها بعد الرقيق، لأن الزواج بطبيعته نوع رق؛ ولكنه ختم بها وقد بدأ بالصلاة، لأن الزواج في حقيقته نوع عبادة.

قال الشيخ: ولو أن أماًّ كانت دميمة شوهاء في أعين الناس، لكانت مع ذلك في عين أطفالها أجمل من ملكة على عرشها؛ ففي الدنيا من يصفها بالجمال صادقاً في حسه ولفظه، لم يكذب في أحدهما، فقد انتقى القبح إذن، وصار وصفها به في رأي العين تكذيباً لوصفها في رأي النفس، ولا أقل من أن يكون الوصفان قد تعارضا فلا جمال ولا دمامة.

قال الشيخ: وأما في معنى الحديث، فهو صلى الله عليه وسلم يقرر للناس أن كرم المرأة بأمومتها، فإذا قيل: إن في صورتها قبحاً، فالحسناء التي لا تلد أقبح منها في المعنى. وانظر أنت كيف يكون القبح الذي يقال إن الحسن أقبح منه . . .!

فمن أين تناولت الحديث رأيته دائراً على تقدير أن لا قبح في صورة المرأة، وأنها منزهة في لسان المؤمن أن توصف بهذا الوصف، فإن كلمات القبح والحسن لغة بهيمية تجعل حب المرأة حباً على طريقة البهائم، من حيث تفضلها طريقة البهائم بأن الحيوان على احتباسه في غرائزه وشهواته، لا يتكذب في الغريزة ولا في الشهوة بتلوينهما ألواناً من خياله، ووضعهما مرة فوق الحد، ومرة دون الحد.

فأكبر الشان هو للمرأة التي تجعل الإنسان كبيراً في إنسانيته، لا التي تجعله كبيراً في حيوانيته، فلو كانت هذه الثانية هي التي يصطلح الناس على وصفها بالجمال فهي القبيحة لا الجميلة، إذ يجب على المؤمن الصحيح الإيمان أن يعيش فيما يصلح به الناس، لا فيما يصطلح عليه الناس؛ فإن الخروج من الحدود الضيقة للألفاظ، إلى الحقائق الشاملة، هو الاستقامة بالحياة على طريقها المؤدي إلى نعيم الآخرة وثوابها.

وهناك ذاتان لكل مؤمن: إحداهما غائبة عنه، والأخرى حاضرة فيه، وهو إنما يصل من هذه إلى تلك، فلا ينبغي أن يحصر السماوية الواسعة في هذه الترابية الضيقة، والقبح إنما هو لفظ ترابي يشار بها إلى صورة وقع فيها من التشويه مثل معاني التراب، والصورة فانية زائلة، ولكن عملها باق، فالنظر يجب أن يكون إلى العمل؛ فالعمل هو لا غيره الذي تتعاوره ألفاظ الحسن والقبح.

وبهذا الكمال في النفس، وهذا الأدب، قد ينظر الرجل الفاضل من وجه زوجته الشوهاء الفاضلة، لا إلى الشوهاء، ولكن إلى الحور العين. إنهما في رأي العين رجل وامرأة في صورتين متنافرتين جمالاً وقبحاً؛ أما في الحقيقة والعمل وكمال الإيمان الروحي، فهما إرادتان متحدتان تجذب إحداهما الأخرى جاذبية عشق، وتلتقيان معاً في النفسين الواسعتين، المراد بهما الفضيلة وثواب الله والإنسانية؛ ولذلك اختار الإمام أحمد بن حنبل عوراء على أختها، وكانت أختها جميلة، فسأل: من أعقلهما؟ فقيل: العوراء فقال: زوجوني إياها. فكانت العوراء في رأي الإمام وإرادته هي ذات العينين الكحيلتين، لوفور عقله وكمال إيمانه.

قال أبو عبد الله: والحديث الشريف بعد كل الذي حكيناه يدل على أن الحب متى كان إنسانياً جارياً على قواعد الإنسانية العامة، متسعاً لها غير محصور في الخصوص منها كان بذلك علاجاً من أمراض الخيال في النفس، واستطاع الإنسان أن يجعل حبه يتناول الأشياء المختلفة، ويرد على نفسه من لذاتها، فإن لم يسعده شيء بخصوصه، وجد أشياء كثيرة تسعده بين السماء والأرض، وإن وقع في صورة امرأته ما لا يعد جمالاً، رأى الجمال في أشياء منها غير الصورة، وتعرف إلى مالا يخفى ، فظهر له ما يخفى.

وليست العين هي التي تؤامَر في أي الشيئين أجمل، بل هناك العقل والقلب، فجواب العين وحدها إنما هو ثلث الحق. ومتى قيل:( ثلث الحق) فضياع الثلثين يجعله في الأقل حقاً غير كامل.
فما نكرهه من وجه، قد يكون هو الذي نحبه من وجه آخر، إذا نحن تركنا الإرادة السليمة تعمل عملها الإنساني بالعقل والقلب، وبأوسع النظرين دون أن أضيقهما { فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }النساء-19.

فوثب ابن أيمن، وأقبل يدور في المجلس مما دخله من طرب الحديث ويقول: ما هذا إلا كلام الملائكة سمعناه منك يا ابن عمران. قال مسلم: فكيف بك لو سمعته من أبي عبد الله؛ إنه والله قد حبب إلي السوداء والقبيحة والدميمة، ونظرت بنفسي خير النظرين، وقلت: إن تزوجت يوماً فما أبالي جمالاً ولا قبحاً، إنما أريد إنسانية كاملة مني ومنها ومن أولادنا، والمرأة في كل امرأة، ولكن ليس العقل في كل امرأة.

قال: ثم إني رجعت إلى البصرة، وآثرت السكنى بها، وتعالمَ الناس إقبالي، وعلمت أنه لا يحسن بي المقام بغير زوجة، ولم يكن بها أجل قدراً من جد هذين الغلامين، وكانت له بنت قد عضلها وتعرض بذلك لعداوة خطابها؛ فقلت: ما لهذه البنت بد من شأن، ولو لم تكن أكمل النساء وأجملهن، ما ضن بها أبوها رجاوة أن يأتيه من هو أعلى. فحدثتني نفسي بلقائه فيها، فجئته على خلوة . . .

فقطع عليه ابن أيمن وقال: قد علمنا خبرها من منظر هذين الغلامين، وإنما نريد من خبر تلك الدميمة التي تعشقتها.

قال: مهلاً فستنتهي القصة إليها. ثم إني قلت: يا عم، أنا فلان بن فلان التاجر.قال ما خفي عني محلك ومحل أبيك. فقلت: جئتك خاطباً لابنتك. قال: والله ما بي عنك رغبة، ولقد خطبها إلي جماعة من وجوه البصرة وما أجبتهم، وإني لكاره إخراجها عن حضني إلى من يقومها تقويم العبيد. فقلت: قد رفعها الله عن هذا الموضع، وأنا أسألك أن تدخلني في عددك وتخلطني بشملك.

فقال: ولا بد من هذا؟ قلت: لا بد. قال: اغد علي برجالك.

فانصرفت عنه إلى ملأ من التجار ذوي أخطار، فسألتهم الحضور في غدٍ؛ فقالوا: هذا رجل قد رد من هو أثرى منك، وإنك لتحركنا إلى سعي ضائع. قلت: لا بد من ركوبكم معي. فركبوا على ثقة من أنه سيردهم. فصاح ابن أيمن وقد كادت روحه تخرج: فذهبت، فزوجك بالجميلة الرائعة أم هذين؛ فما خبر تلك الدميمة؟ قال مسلم: قد صبرت إلى الآن، أفلا تصبر على كلمات تنبئك من أين يبدأ الدميمة، فإني ما عرفتها إلا في العرس . . . !

قال: وغدونا عليه فأحسن الإجابة وزوجني، وأطعم القوم ونحر لهم، ثم قال: إن شئت أن تبيت بأهلك فافعل، فليس لها ما يُحتاجُ إلى التلوم عليه وانتظاره. فقلت: هذا يا سيدي ما أحبه. فلم يزل يحدثني بكل حسن حتى كانت المغرب، فصلاها بي، ثم سبح وسبحت، ودعا ودعوت، وبقي مقبلاً على دعائه وتسبيحه ما يلتفت لغير ذلك، فأمضَّني علم الله كأنه يرى أن ابنته مقبلة على مصيبة، فهو يتضرع ويدعو . . !

ثم كانت العتمة فصلاها بي، وأخذ بيدي فأدخلني إلى دار قد فرشت بأحسن فرش، وبها خدم وجوار في نهاية من النظافة؛ فما استقر بي الجلوس حتى نهض وقال: أستودعك الله، وقدم الله لكما الخير وأحرز التوفيق. واكتنفني عجائز من شمله، ليس فيهن شابة إلا من كانت في الستين. . .فنظرت فإذا وجوه كوجوه الموتى، وإذا أجسام بالية يتضام بعضها إلى بعض، كأنها أطلال زمن قد انقض بين يدي.

فصاح ابن أيمن: وإن دميمتك لعجوز أيضاً . . . ؟ ما أراك يا ابن عمران إلا قتلت أم الغلامين . . ! قال مسلم: ثم جلون ابنته علي وقد ملأن عيني هرماً وموتاً وأخيلة شياطين وظلال قرود؛ فما كدت أستفيق لأرى زوجتي، حتى أسرعن فأرخين الستور علينا؛ فحمدت الله لذهابهن ، ونظرت . . . وصاح ابن أيمن وقد أكله الغيظ: لقد أطلت علينا، فستحكي لنا قصتك إلى الصباح، قد علمناها ويلك، فما خبر الدميمة الشوهاء؟ قال مسلم: لم تكن الدميمة الشوهاء إلا العروس . . .

فزاغت أعين الجماعة، وأطرق ابن أيمن إطراقة من ورد عليه ما حيره؛ ولكن الرجل مضى يقول: ولما نظرتها لم أر إلا ما كنت حفظته عن أبي عبد الله البلخي، وقلت: هي نفسي جاءت بي إليها، وكأن كلام الشيخ إنما كان عملاً يعمل في ويديرني ويصرفني، وما أسرع ما قامت المسكينة فأكبت على يدي وقالت: ( يا سيدي، إني سر من أسرار والدي كتمه والدي وأفضى به إليك، إذ رآك أهلاً لستره عليه؛ فلا تخفر ظنه فيك، ولو كان الذي يطلب من الزوجة حسن صورتها دون حسن تدبيرها وعفافها لعظمت محنتي، وأرجو أن يكون معي منهما أكثر مما قصر بي في حسن الصورة؛ وسأبلغ محبتك في كل ما تأمرني؛ ولو انك آذيتني لعددت الأذى منك نعمة، فكيف إن وسعني كرمك وسترك؟ إنك لا تعامل الله بأفضل من أن تكون سبباً في سعادة بائسة مثلي. أفلا تحرص يا سيدي، على أن تكون هذا السبب الشريف…

ثم إنها وثبت فجاءت بمال في كيس، وقالت: يا سيدي قد أحل الله لك معي ثلاث حرائر، وما آثرته من الإماء؛ وقد سوغتك تزويج الثلاث وابتياع الجواري من مال هذا الكيس، فقد وقفته على شهواتك، ولست أطلب منك إلا ستري فقط!

قال احمد بن أيمن: فحلف لي التاجر: أنها ملكت قلبي ملكاً لا تصل إليه حسناء بحسنها؛ فقلت لها: إن جزاء ما قدمت ما تسمعينه مني: ( والله لأجعلنك حظي من دنياي فيما يؤثره الرجل من المرأة ولأضربن على نفسي الحجاب ما تنظر نفسي إلى أنثى أبداً). ثم أتممت سرورها ، فحدثتها بما حفظته عن أبي عبد الله البلخي فأيقنت والله يا أحمد أنها نزلت مني في أرفع منازلها وجعلت تحسن وتحسن كالغصن الذي كان مجروداً ثم وخزته الخضرة من هنا وهناك.

وعاشرتها فهي أضبط النساء وأحسنهن تدبيراً وأشفقهن علي واحبهن لي وإذا راحتي وطاعتي أول أمرها وآخره وإذا عقلها وذكاؤها يظهران لي من جمال معانيها ما لا يزال يكثر ويكثر، فجعل القبح يقل ويقل وزال القبح باعتيادي رؤيته وبقيت المعاني على جمالها وصارت لي هذه الزوجة هي المرأة وفوق المرأة. ولما ولدت لي جاء ابنها رائع الصورة؛ فحدثتني أنها كانت لا تزال تتمنى على كرم الله وقدرته أن تتزوج وتلد أجمل الأولاد، ولم تدع ذلك من فكرها قط وألف لها عقلها صورة غلام تتمثله وما برحت تتمثله فإذا هي أيضاً كان لها شأن كشأني وكان فكرها عملاً يعمل في نفسها ويديرها ويصرفها .

ورزقني الله منها هذين الابنين الرائعين لك، فانظر؛ أي معجزتين من معجزات الإيمان. . ! ”

انتهى .

فقط لو كنت مسلما رومانسيا ..

اقرأ .. من مدونتي المؤرخ هذا الموضوع